ظهرت في وسائل التواصل العام في بريطانيا طفلةٌ تتشكى من موجة الحر التي اجتاحت الكل وقلبت مزاج اليوم الإنجليزي في كافة مناحيه والأشدّ كانت مدارس الأطفال. وظهرت رسالة الطفلة لوصف الحال عبر احمرار وجه البنت والعرق الذي يتلامع فوق جبينها حيث أطلقت كلمتها الاحتجاجية: «لم يخبرنا أحدٌ أن هناك موجةَ حر»، وهي كلمةٌ تكتنز بتوتر المعاني في عقلية طفلةٍ بريئةٍ لم تجرب مواجهة الحياة منفردةً إلا في تلك اللحظة التي تواجهت معها دون حيطة أو توقع، وجاءت جملتها فارقةً وحارقة. وهي فيها تخاطب الكل من أهلها ومدرساتها وتتحدث بصيغة «النحن»؛ أي أنها تتكلم باسم الأطفال كلهم ممن وقعوا في عجز تام عن تفسير الحالة. وبدأت هذه الطفلة شكواها الطريفة بعد يوم دراسي حار، وبين تعرقها ووجهها الذي تحول إلى اللون الأحمر، تركت كل شيء وركزت على إعطاء نصائح ذهبيةً للوقاية من الحر الشديد وأشعة الشمس الحارقة.
ظهرت لتنصح الناس بالإكثار من شرب الماء، وهذه ثقافة ليست من صميم السلوك الإنجليزي، ومذ عرفت الإنجليز على مدى نصف قرن لم أرهم يلتهمون قوارير الماء كما رأيتهم في السنين الأخيرة، فجوهم قد أخذ بالتغير منذ بضع سنوات لكن السلوك احتاج وقتاً من لسع الحرارة ليتغير سلوكهم مع الماء. ويتبدى هذا الحس حين تولت الطفلة دوراً أكبر من سنها ومن أنظمة تفكيرها.
وكلمات الطفلة تكشف الحياة غير الواقعية، بما أن الواقعي عندها هو الجو الأقرب للبرودة، أو في الأقل اعتدال الجو، وهذا هو الطبيعي عندها. وحين يتغير الطبيعي فهي كطفلةٍ تحتاج لمن يبلغها ويعطيها التوصيات، وكيف تتصرف مع التغير الجوي المفاجئ لها ولمن هم بسنها وحالها، غير أن لا أحد أبلغها ولم يكُ لها من حيلة غير الجهاز الذي بيدها وأعلنت احتجاجها بغضب هادئ وثقة تليق ببراءة الأطفال وصدقهم وصراحتهم، ولكنه هدوءٌ متفجر من داخله وعلامة ذلك ردود الفعل في وسائل التواصل العامة بإعجابات بأسلوبها الاحتجاجي وبلاغتها الطفولية النافذة عبر مفرداتها التوبيخية التي بها تدين مجتمع الكبار وتدين تقصيرهم عن أداء دورهم الثقافي والتربوي.
ومن ثم تولت هي الدور، وشرعت تقدم النصائح والتوصيات وكأنها تربي الذين لم يحسنوا التربية وتخلوا عن وظيفتهم الأولى في الحياة، تلك الوظيفة التي يفترض أنها تمنح الوصايا حين تلوح الحاجة لها، وهم الذين لا ينفكون عن النصح والتوجيه لغير ما حاجة لهما وغابت توجيهاتهم حين الحاجة.
وهنا تكشف الطفلة وظيفةً جوهرية هي من أبرز وظائف الثقافة العامة من حيث التطوع التلقائي في النصح والتوجيه. وتلك غريزةٌ ثقافية متجذرة عند جميع البشر وتحفزت عند الطفلة تلقائياً، لأن الظرف يتطلبها.
والظرف البشري لا يكفي أن نواجهه فحسب بل لا بد من إعطاء النصح بكيفية التعامل معه. وهذه وظيفة أخلاقية يسرف البشر عادةً في تمثلها ويرونها قيمةً معنويةً وواجباً لازماً. وحين قصر فيها الكبار جاءت هذه الطفلة لتحقيق الشرط الثقافي في إعطاء الدروس والتمتع بممارسة هذا النوع من الوصاية الثقافية.
والطفلة هذه لما تزل غضةً وفطريةً تعيش رخاء العائلة الحاضنة وتعتمد عليهم في طعامها وسكنها وفي معلوماتها. وترى أن أي معلومة تحتاجها في الحياة هي كنزٌ متاح لدى أمها تنهل منه دون طلبٍ ودور الأم هو العطاء. وكما تعطي الأم الحليب دون منةٍ فهي أيضاً تعطي التعليمات والتوجيهات دون منة. ولكن أمها نسيت هذه المرة أن تقول لها إن الجو حار وتحتاجين فيه لشرب الماء وتجنب الشمس، وهي كفتاة بريطانية تحب الشمس وليس من ديدنها شرب الماء كما نفعل نحن في البلدان الحارة.
ومن طبع الإنجليز محبة التشمس، ليس فقط لتزويد الجسد بفيتامين دال، ولا لتسمير بشرتهم فحسب، لكن أيضاً لأن لهم علاقةً وجدانيةً مع الشمس، وتعود هذه العلاقة الجذرية لزمن بريطانيا العظمى، تلك الإمبراطورية التي تعاهدت مع الشمس كي لا تغيب عنها. وكلما غابت الشمس عن مستعمرة أشرقت في أخرى، فإذا غابت عن الهند شرقاً أشرقت على أميركا غرباً، وعلى مدى الجغرافية الاستعمارية لبريطانيا.
ولكن تلك الطفلة الغضة لم تعش زمن العظمى ولم تتمتع بمجد الراية التي لا تغيب عنها الشمس، وهي فقط ورثت عن أهلها ثقافة التشمس وبهجة أي يوم مشمس، وبما أن أيام الشمس عندهم محدودةٌ فهم يحتفلون بها كلما نشرت أشعتها على الأرض. ولم يخطر ببال الطفلة أن هذه المحبوبة والمطلوبة ستحرق وجهها. وفات أمها وأباها أن يحدثاها عن شمس أخرى غير شمس الإمبراطورية وغير شمس المتعة، وإنما هي شمس مختلفة، فهي تلسع وتنشف الريق وترفع حرارة الجسم الغض. وهذا تغيرٌ جذري فاجأ ثقافة الطفلة ومن ثم ندبت نفسها لفضح جريرة أهلها حين غفلوا عن تغذيتها بالتعليمات وكيف تتعامل مع شعاع الشمس الحارقة.
المهم في قصة هذه الطفلة أن المعنى الأعمق هو باكتشافها للدرس الأهم في صناعة المعرفة فهي قد وقعت في لب المعنى دون تقصد منها، وهو أن المعرفة ليست فيما يأتينا من نصائح غيرنا، إنما العلم هو ما نتعلمه بعرق تجربتنا وعرق الوجه كما اكتشفت الطفلة وظهرت عليها بصيغة احتجاج ثقافي. وهذه الروح الاحتجاجية هي ما جعلتها تكتشف بنفسها بأن الشمس وهي نعمة ومتعة تحمل أيضاً خطرها القاسي.
وكل شيء نافعٍ يضمر ضرراً ما، ولن نعرف ذلك الدرس إلا إذا مررنا به، فالحكمة والفلسفة لا تعلمان البشر، بل نار التجربة هي الشرط الأهم للمعرفة، وهي التي تنتج الفلسفة وليس العكس. وهذا ما تعرفت عليه الطفلة وسيكبر معها ويتجذر في وعيها وفي فهمها.
