كاثرين توربيك
بالاتفاق مع «بلومبرغ»
TT

الذكاء الاصطناعي... ماذا يجري في كوريا الجنوبية؟

استمع إلى المقالة

تُغذّي كوريا الجنوبية رهاناً ضخماً بقيمة 880 مليار دولار، تقوده شركتا «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كيه هاينكس»، الوطنيتان الرائدتان، بُغية الحفاظ على صدارتها في طفرة رقائق الذكاء الاصطناعي، وضمان أن يعمّ هذا الازدهار البلاد بأسرها. وفي حال نجح هذا الرهان، قد يُقدّم أحد أوائل الرابحين الكبار من ثورة الذكاء الاصطناعي نموذجاً يُحتذى للنمو الشامل، يتجاوز أثره حدود كوريا الجنوبية نفسها.

تضمّن الخطاب التلفزيوني للرئيس لي جيه ميونغ كل المصطلحات الرائجة المعتادة، متعهّداً بأن يُوجَّه هذا الإنفاق الضخم نحو أشباه الموصلات ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي المادي. غير أن الجانب الأكثر أهمية في هذه الخطة يكمن في بُعدها الجغرافي.

تسعى الحكومة إلى إنشاء مراكز إقليمية للتقنية المتقدمة، ومراكز جديدة لإنتاج أشباه الموصلات. وفي منشور عبر منصة «إكس»، وصف لي صعود كوريا بأنه مزيج من «إنجازات باهرة» و«اختلالات حادة». ودعا المواطنين إلى دعم «أهداف البقاء الوطني»، المتمثلة في تخفيف التركز بمنطقة العاصمة، وتعزيز التنمية المتوازنة. وله وجاهة في ذلك، فكما سبق أن كتبتُ من قبل، لم تُوزّع المعجزة الاقتصادية الكورية مكاسبها يوماً بشكل متكافئ؛ فهذه هي الدولة نفسها التي أنتجت كلاً من «إس كيه هاينكس» ومسلسل «لعبة الحبّار».

إن الحرص على تعميم ثمار الذكاء الاصطناعي توجّهٌ صائب في حدّ ذاته، أما الجزء الصعب فهو ما يأتي لاحقاً. ويتهم منتقدو الرئيس لي، بالفعل، باختيار المراكز الإقليمية بدافع تحقيق مكاسب سياسية، وهو اتهام نفاه بشدة، خلال عطلة نهاية الأسبوع، مؤكداً أن الشركات هي مَن حدّدت المواقع. والمشهد السياسي حسّاس في هذا الصدد، إذ أظهر استطلاعٌ حديث لمؤسسة «غالوب كوريا» تراجعاً في نسبة التأييد التي يحظى بها الرئيس. وأشار وزير الصناعة إلى ارتفاع تكاليف الأراضي حول سيول، إلى جانب توافر مساحات شاسعة وإمدادات وفيرة من المياه في مناطق أخرى. غير أنه إذا كانت المكاسب السياسية قصيرة الأمد هي ما يقود أي جزء من هذه العملية، فقد ترتدّ الخطة بأكملها بنتائج عكسية، وتُفضي إلى انعدام الكفاءة والهدر، ناهيكم باحتمال وقوع فضائح. ويتعيّن على قادة الحكومة والشركات، على حدّ سواء، التحلّي بأقصى درجات الشفافية في كل خطوة.

وتعتزم كلٌّ من «سامسونغ» و«إس كيه هاينكس» بناء مصنعَين جديدَين لأشباه الموصلات في المنطقة الجنوبية الغربية، في إطار توسّع يتجاوز نطاق تجمّعهما الصناعي القائم في مقاطعة غيونغي، الواقعة جنوب سيول مباشرة. وقال وزير الأراضي كيم يون-دوك إن خطة هذه المراكز استُلهمت من تجربتَي «وادي السيليكون» ومدينة «شنتشن» الصينية، وستعمل على دمج الشركات والجامعات ومؤسسات البحث العلمي والمجتمعات السكنية في منظومة واحدة. والطموح في حدّ ذاته صائب، غير أنه سيتطلّب استثمارات في البنية التحتية المحلية؛ من مدارس ومستشفيات ووحدات سكنية، وكل العوامل الكفيلة بجعل المهندسين المطلوبين راغبين في بناء حياتهم بعيداً عن سيول.

وغالباً ما تُخفق الحكومات التي تحاول تحقيق مكسبَين متزامنَين، عبر نقل الصناعات إلى مناطق بحاجة إلى الإنعاش، في تحقيق أيٍّ منهما. ومع ذلك فإن التركّز الصناعي يحمل في طيّاته مخاطره الخاصة. فارتفاع أسعار الأراضي، والضغط على شبكة الكهرباء، وغيرها من العوامل الطاردة، باتت، بالفعل، تدفع بصناعة أشباه الموصلات بعيداً عن التجمّع الصناعي الحالي. كما أن وقوع كارثة طبيعية أو صدمة جيوسياسية يمكن أن يُلحق ضرراً أكبر بكثير، حين يتركّز جزء كبير من الاقتصاد في منطقة حضرية واحدة.

ولهذا السبب، يُعدّ توسّع شركة «تايوان لصناعة أشباه الموصلات» في إقليم كيوشو خطوة منطقية تجارياً، بالقدر نفسه الذي يمثل فيه مكسباً تنموياً للجزيرة اليابانية، بالنسبة لأهم مُصنّع رقائق في العالم. كما يُقدّم انتشار الشركة؛ من مدينة هسينشو في شمال تايوان إلى مدينة كاوشيونغ في جنوبها، الدرس نفسه. فالتنويع، حين يُدار بحكمة، يخدم مصلحة الأعمال ويُعدّ ضرورة لا غنى عنها لتحقيق النمو.

كما أن الرأي العام يقف إلى جانب لي، إذ أظهرت استطلاعات الرأي قلقاً واسعاً إزاء الاختلالات القائمة بين منطقة العاصمة وبقية أنحاء كوريا، مما يمنحه تفويضاً، على الأقل، لخوض هذه التجربة.

ولم تكن سياسة الرقائق يوماً بمعزل عن السياسة، فقد حوّلت أزمة نقص المكونات الدقيقة، خلال جائحة «كوفيد»، تلك المكونات المستخدمة في كل شيء؛ من الإلكترونيات الاستهلاكية إلى الأنظمة الدفاعية، مسألة إعادة التصنيع إلى الداخل إلى هاجس متعلق بالأمن القومي، من واشنطن إلى طوكيو. ولم يزد الذكاء الاصطناعي الأمر إلا رفعاً للمخاطر، وما تسعى إليه سيول من حماية ريادتها عبر استراتيجية صناعية أمرٌ في محله.

غير أن التفاصيل، الشحيحة حالياً، ستكون أكثر أهمية من مئات المليارات من الدولارات، أو من صور لي وهو يصافح رئيسَي مجلسَي إدارة «سامسونغ» و«إس كيه هاينكس».

ولا يتضح، على وجه الدقة، أي قدر من هذا الإنفاق يُعدّ جديداً فعلياً، وأي قدر منه هو مجرد إعادة تغليف لخطط كانت الشركتان تنفذانها أصلاً لتلبية الطلب العالمي المتنامي بلا حدود على رقائق الذاكرة الموجّهة لمراكز البيانات. كما اتسم الجدول الزمني للمشروع بالغموض كذلك. وحتى لو تحقّقت كل هذه المبالغ على أرض الواقع، فإن هذا الرهان يقوم على افتراض آخر غير مؤكَّد، وهو أن الطلب على الذكاء الاصطناعي سيُواصل نموه بالوتيرة الحالية، وهو أمر غير مضمون على الإطلاق.

ومع ذلك ينبغي لصانعي السياسات حول العالم متابعة هذا التطور من كثب، فقد غدت كوريا الجنوبية مركزاً لنقاشٍ أوسع حول هوية الجهة التي تستحوذ على عوائد طفرة الذكاء الاصطناعي داخل المجتمع، إذ يُتوقّع أن تتجاوز بعض المكافآت التي يحصل عليها عمال الرقائق، هذا العام، وحدها، نظيرتها من متوسط الأجر السنوي للعامل الكوري الجنوبي بمراحل. وفي منشورٍ عبر «فيسبوك»، انتشر بشكل واسع، الشهر الماضي، حذّر أحد كبار مستشاري السياسات لدى لي من أن الأرباح المُفرطة في عصر الذكاء الاصطناعي قد «تُفاقم، بشكل بنيوي، الفجوة الاقتصادية ذات الشكل الحرفي (كيه) داخل المجتمع». وقد لمس هذا التحذير وتراً حساساً في الخارج، في وقتٍ تحاول فيه الحكومات الاستثمار في هذه التقنية ونشرها، مع الاستعداد، في الوقت نفسه، لاحتمالات تعطُّل واسع النطاق في سوق العمل.

وبفضل شركاتها الرائدة في صناعة الرقائق، كانت كوريا الجنوبية من أوائل الرابحين في هذه الطفرة. ورهان لي لا يتعلق فحسب بالحفاظ على هذه الصدارة، وإنما بالحيلولة أيضاً دون أن يُوسّع الذكاء الاصطناعي الفجوة بين المستفيدين من هذه الصناعة، ومَن تخلفوا عن الركب أو فقدوا وظائفهم بفعل هذه التقنية.

والطموح هائل في هذا المسعى، فمِن شأن المراكز التقنية الإقليمية أن تُعمّم المكاسب، وتُخفّف حدّة التركّز، وتُحوّل المناطق المُهمَلة إلى محرّكات للنمو. وقد يشكّل هذا النموذج مثالاً يُحتذى لدول؛ من اليابان إلى المملكة المتحدة، والتي تُعاني، هي الأخرى، اقتصادات ريفية متقادمة وهجرة العمال الشباب بحثاً عن فرص أفضل في المدن.

غير أن المخاطر لا تقلّ جسامة عن هذا الطموح، فقد يتحوّل رهان إدارة الضخم إلى تحذيرٍ مفاده أن كوريا الجنوبية قد تربح طفرة الذكاء الاصطناعي، وتترك، في الوقت نفسه، نصف سكان البلاد متخلفين عن الركب.