توفيق السيف
كاتب سعودي حاصل على الدكتوراه في علم السياسة. مهتم بالتنمية السياسية، والفلسفة السياسية، وتجديد الفكر الديني، وحقوق الإنسان. ألف العديد من الكتب منها: «نظرية السلطة في الفقه الشيعي»، و«حدود الديمقراطية الدينية»، و«سجالات الدين والتغيير في المجتمع السعودي»، و«عصر التحولات».
TT

تصور جديد للتنمية الاقتصادية

استمع إلى المقالة

في عام 1990 تبنى «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» مشروعاً موسعاً للارتقاء بمستوى المعيشة لكل سكان العالم. واتفقت الدول الأعضاء يومئذ على تكييف سياساتها الاقتصادية كي تنسجم مع مستهدفات المشروع. وأُطلق على منظومة الأهداف هذه اسم «مؤشر التنمية البشرية». تولى وضع هذا المؤشر اثنان من الخبراء المعروفين على مستوى العالم، هما: محبوب الحق، من باكستان، وريتشارد جولي، من أسكوتلندا. ووُضعت المؤشرات على ضوء نظرية الفيلسوف الهندي أمارتيا سِنْ.

يُنظر إلى إعلان هذا المشروع على أنه تحول جوهري في مفهوم التنمية والتقدم؛ لأنه غيّر طريقة التفكير في مشروعات التنمية، فبدلاً من التركيز على المعايير الاقتصادية في قياس النتائج، انتقل الاهتمام إلى تمكين الأفراد من الاعتماد التام على أنفسهم، وتوسيع نطاق الخيارات المتاحة أمامهم، ومدى استخدامهم إياها في تحقيق تطلعاتهم الحياتية بأنفسهم.

بالنسبة إلى بعض الناس - وربما كثير منهم - يبدو هذا الكلام نظرياً مجرداً، ولعلهم يقولون لأنفسهم: في نهاية المطاف نحن نريد دخلاً جيداً؛ يوفر سكناً لائقاً، ورعاية صحية، وتقاعداً مريحاً. وإذا كانت الحال على هذا النحو، فلماذا نطيل التفكير في الخيارات والمعايير والاستقلال؟ بل إن بعضهم يقول بضرس قاطع: إذا كان عليّ أن أختار بين المال والاستقلال الشخصي وسعة الخيارات المتاحة للمواطن، فسوف أختار الأول بالتأكيد.

هذه - على أي حال - آراء مختلفة في الحياة. ثمة مَن يحسب قيمة الحياة وجودتها بمقدار ما يملك من أشياء. وثمة من يحسبهما بمقدار ما يتاح له من فرص وخيارات، أي بقدر ما يكون حراً في حياته. فإذا رأيت التصور الأول أقرب إلى قلبك، فلا تهلك نفسك في إقناع الآخرين. وإذا اقتنعوا بالرأي الثاني فلست مضطراً إلى تبرير مخالفتك إياهم.

كانت نظرية التنمية الكلاسيكية قد افترضت أنّ تحسّن الحراك الاقتصادي سوف يلبي الحاجات الحياتية الرئيسية للناس عامة، فيحصلون على السعادة المنشودة. لكن أمارتيا سن رأى أن تَوفُّر المال في حد ذاته لا يؤدي إلى السعادة، إلا إذا ذهبنا مذهب البخلاء، الذي يحققون أعلى درجات السعادة حين ينظرون إلى المال المتراكم في خزائنهم. لحسن الحظ؛ فإن البخلاء أقلية في العالم.

لو تأملنا قليلاً في أحوال الناس، لرأينا أن الثروة بذاتها لا تصنع السعادة، وإن كانت تُعين على ذلك بكل تأكيد. يُذكر في هذا الصدد أن الخدم في قصور أباطرة الروس القدامى كانوا من أغنى الناس، بل كانوا يملكون قرى بأكملها. ومع ذلك كانوا محرومين من أبسط خيارات الحياة، مثل الخروج مع أبنائهم في رحلة قصيرة، أو بيع شيء من أملاكهم، أو تزويج بناتهم وأبنائهم؛ إلا بإذن القيصر. أي إنهم كانوا - بصورة من الصور - عبيداً أو شبه عبيد، لكنهم أثرياء.

وتُذكر في السياق نفسه قصة أشخاص ثلاثة: أولهم يتضور جوعاً لأنه لا يملك طعاماً ولا ثمن الطعام. والثاني يصوم النهار كله لسبب ديني، رغم امتلاكه كثيراً من المال والطعام. والثالث يملك أضعاف ثروة صاحبه، لكنه ممنوع من الأكل بسبب مشكلاته الصحية. واضح أن الأول والثالث لا يملكان حرية الاختيار، بخلاف الثاني. فأي الثلاثة هو الأسعد: الغني المريض، أم الفقير المعدَم، أم الذي يصوم باختياره؟

كيف إذن نحقق المعادلة الصعبة: تَوفُّر مستوى معقول من المعيشة مع خيارات متسعة؟

وفقاً لأمارتيا سن، فإن مشروعات التنمية ينبغي أن تستهدف غايتين؛ أولاهما توفير قدر معقول من مصادر العيش، التي تساعد الناس عامة على بلوغ المتوسط العام للمعيشة في بلدهم. ويتضمن هذا الغرض توفير الوظائف (أو ممكنات الأعمال) والرعاية الصحية والتعليم والاتصالات. أما الغاية الثانية فهي تطوير البيئة القانونية والمؤسسية للبلاد؛ كي تحمي وتسهّل المبادرات الفردية، وأبرز تمثلاتها هو تساوي الناس جميعاً أمام القانون، وإمكانية الشكوى أمام قضاء مستقل.



عاجل المغرب يتأهل برفقة البرازيل لدور 32 في كأس العالم بفوز مثير على هايتي