د. محمد النغيمش
كاتب كويتي متخصص في علوم الإدارة. حاصل على الدكتوراة في القيادة من كلية ساوثهامبتون للأعمال في المملكة المتحدة وماجستير في إدارة الأعمال من جامعة ماستريخت الهولندية. ألف عدداً من الكتب منها "عقلية الإسفنجة".
TT

وهم السيطرة

استمع إلى المقالة

غرّت الزعيم الفرنسي نابليون بونابرت قوته، فغزا روسيا بجيش قوامه 600 ألف جندي، لقي ما يزيد على 400 ألف منهم حتفهم في هزيمة بددت وهم «السيطرة» الذي كان يهيمن على تفكيره. الروس لم يتركوا عاصمتهم، فحرقوا كل ما فيها حتى مات الجيش الفرنسي من الجوع، والمرض، والبرد القارس، ثم انسحب الذين تبقوا منه بعد بضعة أشهر عام 1812.

ما حدث أن تاريخ نابليون كان يزخر بإنجازات عديدة، منها تدشين إصلاحات قانونية، وإنشاء ما يشبه «ديوان محاسبة». وقد تولى القيادة العليا للقوات المسلحة بعد ترقيته إلى رتبة لواء ولم يتجاوز عمر 24 عاماً. وحصل على أصوات كاسحة في الانتخابات مقارنة بمنافسه، وحكم أجزاءً واسعة من أوروبا شكلت إمبراطوريته، لكنه لم يقوَ على الإنجليز الذين حالت قوتهم البحرية دون وصوله إلى جزيرتهم التي ما زالوا يعيشون فيها منذ ألف عام.

في علم النفس يُطلق مفهوم «وهم السيطرة» على من يبالغ في تقدير قدرته على التحكم في نتائج يصعب التحكم في طبيعتها أصلاً. وهو ما كان مستحوذاً على الزعيم الفرنسي -على ما يبدو- الذي ظن أن ضربة استباقية سريعة ستدفع الروس إلى الاستسلام. لكن الشعب الروسي استخدم معه «سياسة الأرض المحروقة»، فأحرق ما فيها من مصانع، وأبنية، وأدوية، ووسائل نقل، فحاصرت النيران الفرنسيين في موسكو حتى فروا منها يجرون وراءهم أذيال الهزيمة. يقال: «إذا كنت تخشى خيبة الأمل، فتجنب الثقة المطلقة من البداية». لكن هذا ما لم يدركه الزعيم الفرنسي، وغيره. وهو درس يعلّمنا أن وهم السيطرة مسألة في غاية الخطورة.

هناك فارق بين المقدرة على التأثير والسيطرة. الأولى قد تكون نابعة من القوة الذاتية، والكاريزما، أو قوة المحيطين بنا. أما السيطرة فتتحكم بها عوامل خارجية عديدة، مثل البرد القارس الذي لم يُحسب حسابه، والمسافات، والإمدادات، وإرهاق الجنود.

وينسب إلى عالمة النفس في جامعة هارفارد إيلين لانغر مفهوم وهم السيطرة (التحكم) الذي أطلقته في عام 1975. وهذا الوهم ينبع من تلك الخبرة التي تتحول أحياناً إلى تحيز، أو النجاحات المتكررة التي تُعمي صاحبها، فيغدو أقل استعداداً للإصغاء لآراء أكثر وجاهة من رأيه. الأمر الذي يفسر تسريح مسؤولين لأنهم لم يوافقوا هوانا.

والمفارقة أن هذا الوهم لم يفرق بين مهزوم ومنتصر. ولذلك لم يُعد البريطانيون انتخاب رئيس وزرائهم ونستون تشرشل رغم انتصاره الساحق في الحرب العالمية، لأنهم يدركون أن لكل زمان دولة، ورجالاً. فمن يصلح للحرب قد لا يصلح للسلم، وإعادة البناء. وبشكل عام، من كان جزءاً من المشكلة، فإنه لا يُعوّل عليه أن يصبح جزءاً من الحل.

التاريخ لا يعاقب من لا يُسيطر، بل من يعتقد أن بيده زمام الأمور كلها.