في خطبة الحاكم الإغريقي بيركليس «الجنائزية» التي نقلها المؤرخ ثيوسيديس، تباهى بيركليس بديمقراطية أثينا لأنها تقوم على حكم الأكثرية لا القلة، والمواطنون فيها متساوون، والمعيار هو الكفاءة وليست الثروة، والانفتاح على الغرباء. هذه الديمقراطية ورثها الغرب وساد بها، لكنها تعيش اليوم أزمات في أميركا وفي أوروبا، وآخرها تجلّى بفوز حزب الخضر على حزبَي «العمال» و«المحافظين» البريطانيَّين، وعلى حزب «الإصلاح» اليميني المتشدد في الانتخابات الفرعية. هذه الانتخابات كان ممكناً ان تكون عادية لولا أن أهم حزبين فيها يواجهان احتمال الاحتضار؛ فحزب «المحافظين»، أعرق الأحزاب، نال اقل من ألف صوت، بينما نال حزب «الإصلاح» نحو أحد عشر ألف صوت، و«الخضر» نحو خمسة عشر ألف صوت، وحل «العمال» في المرتبة الثالثة. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يتراجع أهم حزبين ويتقدم عليهما حزبان حديثا النشأة؟! أهذا موت أم انتصار للديمقراطية؟!
للتوضيح؛ الديمقراطية مجرد آلية لاختيار ممثلي الشعب، وأي نظام يمكنه أن يكون ديمقراطياً، ولهذا توجد ديمقراطية اشتراكية، وفاشية، وليبرالية، واستبدادية. لكن ما يميز الديمقراطية الغربية الليبرالية عن غيرها هو تقديسها للحرية، وإعلاء الفرد، ودور المنظمات المدنية، والأحزاب، وتبادل السلطة بلا ثورة أو دماء. لكنَّ هذه الحرية، بقدر محوريتها، تبدو الآن عنصراً في تصدع بنيانها، لأن المواطن معها تشرذم إلى هويات متصارعة، ولأن اقتصادها أصبح عبئاً، والكفاءة تحولت إلى مشكلة، ولأن المصالح طغت على الأخلاق. ففي انتخابات بريطانيا، كمثال، يجد المواطن نفسه في مواجهة مفصلية حول الهوية مع مناداة اليمين المتشدد بهوية ضيقة تُقصي المواطنين من أعراق وثقافات أخرى الذين وفدوا إلى بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية. فحزب «الإصلاح» المتشدد، الكاره للهجرة، يريد استعادة الهوية المسيحية اليهودية، ويرى ثقافة المسلمين المهاجرين خطراً على ثقافة البلاد، ويعادي الملحدين، ونسبتهم كبيرة في بريطانيا، وكذلك ثقافة الووك (النيوليبرالية) لأنها تضرب مفاهيم العائلة التقليدية. فحزب «الإصلاح» الذي يراهن على وصوله إلى السلطة، عيَّن جايمس اور، أستاذ الفلسفة اللاهوتية في كمبردج، موجهاً لسياسة الحزب. وجايمس من المنادين بحصرية الثقافة المسيحية اليهودية ويحبذ استنساخ نموذج رئيس وزراء المجر فيكتور اوربان، المعادي بالذات للمسلمين.
ويتشعب الخلاف حول الهوية ليطول من له حق الاستفادة من ريع الاقتصاد الرأسمالي: المواطن الأصلي وليس الوافد. فالاقتصاد الرأسمالي وسّع الهوَّة بين الفقراء والأغنياء لمستويات عليا والسلطة مخافةَ مواجهة أصحاب المال، تلجأ في الأزمات المتكاثرة لسياسة التقشف فيتذمر الفقراء، ويثري الأغنياء. وبدلاً من معالجة الاقتصاد الرأسمالي وخلله تلجأ الأحزاب التقليدية في السلطة إلى التضليل بالقول: «علينا أن نتحمل جميعاً عبء الأزمات الاقتصادية»، فيتحمل الفقير عبئاً أكبر. وتستغل الأحزاب اليمينية في المقابل الأزمة للتحريض بأن السلطة توزِّع المال على المهاجرين وتحرم مواطنيها الأصليين؛ هكذا يتشرذم المواطنون على أساس العرق والدين واللون والتوزيع العادل في الاقتصاد.
أما الكفاءة فأصبحت كابوساً لكونها كُوِّنت بالممارسة «طبقة أصحاب الجدارة» من حَمَلَة الشهادات؛ هذه الطبقة أغلبها من أبناء الأغنياء الذين يملكون الموارد للحصول على التعليم الخاص ومنها الدخول إلى أرقى الجامعات، ثم نيل الوظائف المرموقة بفضل شبكة آبائهم الاجتماعية الواسعة، وبذلك استُبدلت الأرستقراطية الوراثية بأرستقراطية الجدارة؛ فالفقراء لا يتسنى لهم التعليم المماثل، وقلة منهم تصل إلى الجامعات نفسها، وإذا ما وصلت ستسدد قروضاً تعليمية، وبفوائد مرهقة، تكبِّلها مالياً طيلة حياتها المهنية. وينتقد مؤلف كتاب «استبدادية الجدارة» مايكل ساندرز، طبقة الجدارة بقوله إنها لا تعتمد على الجهد الفردي بل على ظروف الميلاد والبنية الاجتماعية، وبالتالي فالفقراء الذين لا يحملون شهادات تقلّ فرصهم ومَن لا يحملها يزداد شعورهم بالإهانة الاجتماعية.
كذلك طغت المصالح على قيم الأخلاق والقانون وبالذات في السياسة الخارجية؛ فقادة حزبي «المحافظين» و«العمال» خيَّبوا الآمال برفضهم معاقبة إسرائيل، والتهرب من مصطلح «حرب إبادة» رغم إقرار محكمة العدل الدولية بتوفر عناصرها؛ وهذا أغضب شرائح انتخابية واسعة مؤيدة لحق تقرير المصير، وأزعج بالذات ناخبين مسلمين متعاطفين مع أبناء دينهم؛ فالمصالح الحزبية، ومتطلبات السلطة، أغرقت المبادئ، وهذا تبدَّى جلياً للناس، فانقلبوا ضد أحزابهم، ومضوا يفتشون عمَّن يتبنى مطالبهم ولو كان شعبوياً.
هذا المشهد الديمقراطي يقفز فوقه السياسيون، ولا يأبهون لما يفرزه من طبقية اجتماعية حادة؛ فالاقتصاد عملياً يخدم فئة ويحرم فئة، والدليل إحصاء عام 2024، حيث زادت ثروات الأغنياء تريليوني دولار أي بمعدل 5.7 مليار دولار يومياً بينما نصف العالم يعيش في فقر مدقع وبمعدل 6.85 دولار يومياً. وهذا كله يفسر أسباب سقوط حزبي «العمال» و«المحافظين»، وصعود اليمين واليسار المتشددين، ويبرهن للجميع على أن نتائج الانتخابات في بريطانيا ليست انتصاراً للديمقراطية بل جرس إنذار لقادة أوروبا لكي لا يكرروا تجربة الفاشية، وكي يتلافوا ويلاتها قبل فوات الأوان.
