تركي الدخيل
كاتب سعودي. شغل منصب سفير المملكة العربية السعودية لدى الإمارات العربية المتحدة بين 2018 و2023. كما عمل مديراً لقناتي «العربية» و«الحدث» بين 2015 و2018.
TT

المُتَنَبِّي يُعِيدُ صِنَاعَةَ التَّعْرِيفَات

استمع إلى المقالة

يُمْكِنُنِي أنْ أُطْلِقَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَبْيَاتِ شِعْرِ أَبِي الطَّيِّبِ، عُنْوَانًا عَرِيضًا، أعْتَبِرُ فِيهِ شِعْرَ المُتَنَبِّي، يَحْمِلُ شِعَارًا لَافِتًا، هُوَ: إعَادَةُ التَّعْرِيفَاتِ بِمِعْيَارِ الحِكْمَةِ الخَالِدَة!

وَبَيْتُ القَصِيدِ الَّذِي نَتَنَاوَلُهُ اليَوْمَ، يَأْتِي امْتِدَاداً لِلتَّعْرِيفَاتِ الجَدِيدَةِ لِلْأشْيَاءِ، مِثْلُهُ مِثْل عَشَرَاتِ أَبْيَاتِ هَذَا الشَّاعِرِ العَظِيمِ، رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ.

حَاوَلْتُ الوُقُوفَ عَلَى تَعْرِيفٍ مَفْهُومَيْ: (الأَمْنِ)، وَ(الخَوْف)...

أَوَّلًا: الأَمَنُ فِي المَوْسُوعَةِ الفِقْهِيَّةِ الكُوَيْتِيَّة:

الأَْمْنُ: ضِدُّ الْخَوْفِ، وَهُوَ: عَدَمُ تَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ فِي الزَّمَانِ الْآتِي. وَأَصْلُهُ طُمَأْنِينَةُ النَّفْسِ وَزَوَالُ الخَوْف.

وَعِنْدَ ابْنِ فَارِس: «الهَمْزَةُ وَالمِيمُ وَالنُّونُ أَصْلَانِ مُتَقَارِبَانِ: أَحَدُهُمَا الأَمَانَةُ الَّتِي هِيَ ضِدُّ الخِيَانَةِ، وَمَعْنَاهَا سُكُونُ القَلْبِ، وَالآخَرُ التَّصْدِيق..».

قَالَ الخَلِيلُ:

«الأَمَنَةُ مِنَ الأَمْنِ. وَالأَمَانُ: إعْطَاءُ الأَمَنَة، وَالأَمَانَةُ ضِدُّ الخِيَانَة.

يُقَالُ: أمِنْتُ الرَّجُلَ أَمْنًا وَأَمَنةً وَأَمَانًا، وآمَنَنِي يُؤْمِنُنِي إيْمَانًا.

وَالعَرَبُ تَقُولُ: رَجُلٌ أُمَّانٌ، إذَا كَانَ أمينًا. قَالَ الأَعْشَى:

«وَلَقَدْ شَهِدْتُ التَّاجِرَ الْـ أُمَّانَ مَوْرُوداً شَرَابُهُ»

وَقَالَ الفَيْرُوزَآبَادِي:

«الأمْنُ والآمِن: كَصَاحِب، ضِدُّ الخَوْفِ، أَمِنَ كَفَرِحَ أمْنًا وأمَانًا بِفَتْحِهِمَا وَأَمْنًا وأَمَنَةً مُحَرَّكَتَيْن».

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِي:

«فُلَانٌ أَمَنَةٌ أيْ يَأمَنُ كُلَّ أَحَدٍ وَيَثِقُ بِهِ، وَيَأْمَنُهُ النَّاسُ وَلَا يَخَافُونَ غَائِلَتَهُ».

***

ثَانِيًا: الخَوْفُ:

قَالَ فِي (لِسَان العَرَب): «الْخَوْفُ: الْفَزَعُ، خَافَهُ يَخَافُهُ خَوْفًا وَخِيفَةً وَمَخَافَةً.

قَالَ اللَّيْثُ: خَافَ يَخَافُ خَوْفًا... وَمِنْهُ: التَّخْوِيفُ وَالْإِخَافَةُ وَالتَّخَوُّفُ، وَالنَّعْتُ خَائِفٌ وَهُوَ الْفَزِعُ..

وَقَوْلُهُ: أَتَهْجُرُ بَيْتًا بِالْحِجَازِ تَلَفَّعَتْ

بِهِ الْخَوْفُ وَالْأَعْدَاءُ أَمْ أَنْتَ زَائِرُهْ

إِنَّمَا أَرَادَ بِالْخَوْفِ الْمَخَافَةَ فَأَنَّثَ لِذَلِكَ».

***

بَيْتُ المُتَنَبِّي

نَعُودُ إلَى بَيْتِ أَبِي الطَّيِّبِ المُتَنَبِّي، الَّذِي يُعِيدُ فِيهِ التَّعْرِيفَاتِ مُجَدَّدًا، بِقَوْلِهِ:

ومَا الخَوفُ إلَّا مَا تَخَوَّفَهُ الفَتَى

ومَا الأَمْنُ إِلَّا مَا رَآهُ الفَتَى أَمْنَا الخَوْفُ الحَقِيقِي، هُوَ مَا يَسْتَدْعِي الفَزَعَ، لَيْسَ بِمِقْيَاسِ شَخْصٍ وَاحِدٍ، وَلَا بِمِقَايِيسِ بِضْعَةِ أَشْخَاصٍ، وَلَكِنْ بِمَعَايِيرِ مُعْظَمِ النَّاسِ وَغَالِبِيَّتِهِمْ...

إِنَّ بَيْتَ الشّعْرِ يَتَحَدَّثُ عَنْ نَظَرِيَّةِ النِّسْبِيَّةِ، بِأَجْلَى تَبَايُنَاتِهَا...

هَلْ تَصَوَّرْتَ سَيِّدِي القَارِئ، حَالَ طِفْلٍ يَدْفِنُ رَأْسَهُ فِي حِجْرِ وَالِدَتِهِ، كَيْفَ يَكُونُ فِي أَمْنٍ لَا يُخَالِطُهُ سِوَاهُ...

أَلَمْ تَرَ، سَيِّدِي القَارِئ، أنَّ مَا رَآهُ طِفْلُنَا أَمْنًا، لَمْ يُغيّر فِي أمَانِهِ حَرب شَعْوَاء، المَسَافَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الأُمِّ، لَا تَتَجَاوَزُ مِتْرَيْنِ اثْنَيْن؟!

حِجْرُ الأُمِّ بالنِّسْبَةِ لِلطّفْلِ هُوَ أَكْثَرُ مَكَانٍ آمنٍ عَلَى وَجْهِ البَسِيطَة!

هَذَا الأَمَانُ الَّذِي يَغْمُرُهُ فِي حِضْنِ أُمِّهِ، يُلْغِي بِالنِّسْبَةِ لَهُ، كُلَّ الأَخْطَارِ المُحِيطَةِ بِهِ وَوَالِدَتِهِ... وَبِالتَّالِي، عَمَّمَ مَا يَرَاهُ أمْناً وَأَلْغَى بِرُؤْيَتِهِ وَمِزَاجِهِ، الخَطَرَ، فَلَمْ يَعُدْ لِلْخَوْفِ وُجُودٌ عِنْدَهُ.

الفِكْرَةُ ذَاتُهَا بِتَطْبِيقٍ آخَرَ، نَجِدُهَا فِي بَيْتَيْنِ آخَرَيْنِ لِأبِي الطّيّبِ، تَحْضُرُ النِّسْبِيَّةُ فِيهِمَا بِجَلَاءٍ، إِذْ يَقُولُ:

أَرى كُلَّنا يَبغي الحَيَاةَ لِنَفسِهِ

حَريصاً عَلَيها مُستَهاماً بِها صَبَّا

فَحُبُّ الجَبَانِِ النفَّسَ أَورَدَهُ التُّقى

وَحُبُّ الشُّجاعِ النَّفسَ أَورَدَهُ الحَرْبَا الجَبَانُ يَدْفَعُهُ حُبُّهُ لِنَفْسِهِ وَلِلْعَيْشِ أَكْثَر، إلَى اتِّقَاءِ الحَرْبِ، وَالابْتِعَادِ عَنْ خَوْضِهَا، طَمَعاً فِي حَيَاةٍ طَوِيلَة.

وَالشُّجَاعُ، يَدْفَعُهُ حُبُّهُ لِنَفْسِهِ وَلِلْحَيَاةِ وَالْعَيْشِ فِيهَا طَوِيْلاً، إلَى خَوْضِ الحَرْبِ، بَحْثاً عَنْ حَيَاةٍ مُمْتَدَّة.

الشَّجَاعَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلشُّجَاعِ، سَبَبُ طُولِ الحَيَاة! وَالجُبْنُ بِالنِّسْبَةِ لِلْجَبَانِ، سَبَبُ طُولِ الحَيَاة!

النِّسْبِيَّةُ وَحْدَهَا، هِيَ الَّتِي جَعَلَتْ نَقِيضَيْنِ هُمَا: الشَّجَاعَةُ وَالجُبْنُ، يُؤَدِيَانِ بِالنِّسْبَةِ لِصَاحِبيهما، الوَظِيفَةَ ذَاتَهَا!

إنَّ التَّخَوُّفَ هُوَ تَصَنُّعُ الخَوْفِ، ثُمَّ يَسْتَوْلِي عَلَيْكَ وَيَصِيرُ طَبْعًا مُسَيْطِراً...

دَامَ أَمْنُكُمْ، يَا أَمَانَ الخَائِفِينَ... الّلهُمَّ آمِين...

***