كاثرين ثوربيك
بالاتفاق مع «بلومبرغ»
TT

الصين وسباق الذكاء الاصطناعي

استمع إلى المقالة

ثمة معركة مصيرية مستعرة حول مستقبل الذكاء الاصطناعي على ضفاف نهر هوانغبو في شنغهاي.

للمرة الأولى منذ انطلاقها قبل تسع سنوات، افتتح الرئيس شي جينبينغ قمة الذكاء الاصطناعي الصينية، في إشارة واضحة إلى أن هذه المنافسة التكنولوجية لا تقتصر على تحسين كفاءة البرمجة فحسب، بل تتضمن كذلك تعزيز النفوذ الجيوسياسي. وفي كلمته أمام قيادات قطاع الصناعة ومجموعة متنامية من القادة العالميين الحاضرين، عرض شي رؤية بلاده: بكين لا تكتفي بأن تكون مجرد لاعب في الثورة الصناعية القادمة، بل تسعى إلى قيادتها.

وجدد شي دعوته إلى جعل الذكاء الاصطناعي شاملاً للجميع، ورحب بالدول الجنوبية التي تتوق إلى مواكبة التطور، وحث الحضور على إبقاء السيطرة البشرية على التكنولوجيا. كما أكد التزام بكين بالتنمية المفتوحة، قائلاً: «علينا اغتنام هذه الفرصة التاريخية النادرة، لتشجيع المصادر المفتوحة والانفتاح والتعاون».

في الواقع، إنها لحظة استثنائية بالفعل. وتكشف هذه التصريحات بوضوح موقف الصين في معركة مستقبل الذكاء الاصطناعي: هل سيتحقق تطوره على أيدي نخبة من المختبرات أم بأيدي أفراد الشعب؟ من ناحيتها، راهنت الشركات الأميركية على الخيار الأول ـ خيار منطقي من الناحية التجارية. أما الصين، فتحث بقية العالم على الانضمام إلى الخيار الثاني.

وقد جابهت الجهود المبذولة لتطوير ذكاء اصطناعي قابل للمشاركة بحرية، معارضةً مبررةً بشأن السلامة. ويرى البعض في هذا المجال أن صنع ما يُعادل قنبلة نووية على الصعيد الرقمي لا ينبغي أن يكون متاحاً للجميع. وسيشكل ذلك اختباراً حقيقياً لقدرة بكين على التعامل مع مخاطر الذكاء الاصطناعي، كجزء من استراتيجيتها للحوكمة، والاستفادة فعلياً من مجتمع الانفتاح لتعزيز الضوابط، بدلاً من الالتفات عليها.

مع ذلك، تأتي مشاركة شي جينبينغ بمؤتمر الذكاء الاصطناعي العالمي، في وقت تُحدث فيه الشركات الصينية ثورةً في سباق التكنولوجيا العالمي عبر هذه الاستراتيجية. وعشية انعقاد القمة، أطلقت شركة «مونشوت»، ومقرها بكين، برنامج «كيمي كي 3»؛ نموذج ضخم مفتوح المصدر، يقول خبراء التقييم الأولي إنه يُضاهي أفضل البرامج من «وادي السيليكون».

بعد أسابيع قليلة من إطلاق شركة «زيبو» الصينية، المدرجة تحت اسم «نوليدج أطلس تكنولوجي»، لنموذجها «GLM 5.2»، الذي وصفه المستثمر المؤثر مارك أندريسن بأنه أول نموذج صيني يضاهي، بل ويتفوق في كثير من الأحيان، على منافسيه الأميركيين، «دون الحاجة لتقديم أي تنازلات». ويكشف التسارع الكبير في إصدارات كل من الشركات الناشئة وشركات التكنولوجيا الصينية العملاقة، خلال العام الماضي، أن نجاح «ديب سيك» لم يكن وليد الصدفة. ويُعزز هذا النجاح طموح شي جينبينغ؛ فالصين الدولة الوحيدة في العالم التي تُنافس «وادي السيليكون» بقوة في حقبة ما بعد «تشات جي بي تي».

كما يحمل تعهد الحكومة تهديداً مبطناً لشركاتها المحلية، ما قد يُؤدي إلى انهيار كل شيء. خلال الأشهر الأخيرة، حظي الذكاء الاصطناعي الصيني الرخيص باهتمام واسع النطاق، بفضل قدرته على تقويض نماذج أعمال عمالقة التكنولوجيا الأميركية. إلا أن هذا التوجه نحو تسهيل الوصول إلى التكنولوجيا يخلق ضغوطاً على الشركات المحلية كذلك. ومع إتاحة الكثير من الشركات تقنياتها مجاناً، يُصبح من الصعب التميّز أو إيجاد مصادر دخل حقيقية.

وثمة خطر حقيقي يكمن في أن تسلك هذه الشركات مسار السيارات الكهربائية، بمعنى الدخول في منافسة شرسة ومستمرة فيما بينها. ويتجلى هذا الخطر بوضوح في شنغهاي، حيث تعرض أكثر من ألف شركة منتجاتها وخدماتها. ومع ازدياد عدد الشركات الناشئة التي تطرح أسهمها للاكتتاب العام - مع تقارير تفيد بأن شركة «ديب سيك» على وشك طرح أسهمها للاكتتاب العام - يصعب على المستثمرين تجاهل هذا الأمر.

ويعتبر هذا بمثابة تحذير بالغ الأهمية لشركات تصميم النماذج الأميركية، مثل «أنثروبيك بي بي سي» و«أوبن إيه آي». اللافت أن البدائل الصينية المتميزة تُضعف حصتها التنافسية، وتتحدى التقييمات الفلكية قبل طرح أسهمها للاكتتاب العام الضخم.

في نهاية المطاف، يصعب تجاهل التناقض بين خطاب شي جينبينغ حول التعاون العالمي والأحداث الجارية في واشنطن في الوقت نفسه تقريباً. في خطاب متلفز، وجه الرئيس دونالد ترمب اتهاماً لبكين بالتدخل في انتخابات عام 2020، مزاعم لم تدعمها أجهزة الاستخبارات الأميركية. ويهدد هذا الخطاب بتفاقم العلاقات المتوترة أصلاً بين البلدين، في وقتٍ ينظر فيه عددٌ أكبر من الناس حول العالم إلى الصين نظرةً أكثر إيجابية من الولايات المتحدة، وذلك للمرة الأولى منذ ما يقارب عقدين.

يذكر أن شي جينبينغ كشف النقاب كذاك عن رؤيته للذكاء الاصطناعي باعتباره التقنية العامة القادمة، وشبّهه بالمحرك البخاري والكهرباء. تاريخياً، لم تكن القوة الجيوسياسية من نصيب من ابتكر أولاً، بل بمن استطاع نشر قدراته على أوسع نطاق في مختلف قطاعات الاقتصاد. من جهته، يدرك شي أن المعيار الحقيقي في سباق الذكاء الاصطناعي، يكمن في الانتشار. إنه يتبنى استراتيجية طويلة الأمد. فهل ينطبق الأمر نفسه على واشنطن؟

إذا ما كُتب التاريخ في شنغهاي، هذا الأسبوع، وتحققت رؤية الصين لمستقبل الذكاء الاصطناعي، فإن العواقب ستكون أعمق من مجرد حصة سوقية. ويبقى من الممكن التراجع عن هذا الانفتاح بسهولة بمجرد زوال الحاجة إليه لتقويض الهيمنة الأميركية. وحينها، ستكون النماذج الصينية قد أصبحت النموذج السائد.* بالاتفاق مع «بلومبرغ»