د. عبد الحق عزوزي
أكاديمي مغربي متخصص في العلوم السياسية والقانون
TT

الذكاء الاصطناعي في قلب الحوار العالمي

استمع إلى المقالة

سعدت بالمشاركة في افتتاح أعمال القمة العاشرة لرؤساء برلمانات «الاتحاد من أجل المتوسط»، التي استضافها منذ أيام مجلس النواب المصري بمقره في العاصمة الإدارية الجديدة، ضمن أعمال الجمعية البرلمانية لـ«الاتحاد من أجل المتوسط»، بحضور رؤساء البرلمانات والوفود البرلمانية من مختلف الدول الأعضاء. تقاسمت كضيف شرف بعض الأفكار التي استلهمتها من اللقاءات الدولية حول «مستقبل الحضارة الإنسانية في ظل الذكاء الاصطناعي»، التي احتضنتها منذ شهرين مدينة فاس، ونظمتها الجامعة الأورومتوسطية بفاس وكرسي الأمم المتحدة لتحالف الحضارات ورابطة العالم الإسلامي وتحالف الأمم المتحدة للحضارات، والتي تُوّجت بإصدار «رسالة فاس» التي حظيت بإجماع أكثر من 2100 مشارك يمثلون 74 دولة من مختلف القارات.

قلت في كلمتي إن الإنسانية تقف اليوم أمام منعطف تاريخي غير مسبوق. فالثورات الصناعية السابقة غيرت وسائل الإنتاج، أما ثورة الذكاء الاصطناعي فهي تعيد تشكيل الإنسان نفسه، وتغير أساليب التفكير، وأنماط العيش، وموازين القوة، ومفاهيم الأمن والسيادة والاقتصاد والتعليم والثقافة.

ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا لم يعد: كيف نطور الذكاء الاصطناعي؟ بل أصبح: كيف نضمن أن يبقى الإنسان هو من يقود الذكاء الاصطناعي، لا أن يقوده الذكاء الاصطناعي؟

إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس تطور الآلة، وإنما احتمال تراجع القيم التي توجه هذا التطور.

لقد علمتنا الحضارات الإنسانية عبر آلاف السنين أن التقدم الحقيقي لا يقاس بسرعة التكنولوجيا، وإنما بقدرة الإنسان على توظيفها لخدمة الخير والعدالة والسلام.

ولهذا جاءت «رسالة فاس» لتؤكد أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون في خدمة الإنسان، وأن يخضع لحوكمة أخلاقية عالمية تقوم على الشفافية والمسؤولية والإنصاف واحترام الكرامة الإنسانية والتنوع الثقافي.

وإذا كانت الحكومات تضع السياسات، وإذا كانت الجامعات تنتج المعرفة، وإذا كانت الشركات تطور التكنولوجيا، فإن البرلمانات هي التي تمنح كل ذلك الشرعية القانونية والأخلاقية؛ ومن هنا، فإن مسؤولية البرلمانيين اليوم لم تعد تقتصر على سن القوانين التقليدية، بل أصبحت تمتد إلى رسم ملامح المستقبل.

فنحن بحاجة إلى تشريعات جديدة تحمي الإنسان من مخاطر التحيز الخوارزمي، وتحافظ على خصوصية الأفراد، وتواجه التضليل الإعلامي وخطابات الكراهية، وتضمن العدالة الرقمية، وتمنع احتكار المعرفة والتكنولوجيا.

كما أننا مطالبون بالعمل على تقليص الفجوة الرقمية بين الشمال والجنوب، حتى لا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى عامل جديد لتعميق اللامساواة بين الدول والشعوب.

إن الفضاء المتوسطي وقربه من الوطن العربي يمتلك كل المقومات ليكون نموذجاً عالمياً للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي؛ فنحن نتقاسم تاريخاً مشتركاً، وثقافات متعددة، وجامعات عريقة، وطاقات شبابية هائلة.

ومن هذا المنطلق، اقترحت إطلاق عدد من المبادرات المشتركة، من بينها:

إعداد ميثاق برلماني متوسطي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.

إنشاء مرصد متوسطي للتشريعات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي لتبادل الخبرات والتجارب.

إطلاق برنامج متوسطي لتكوين الشباب والبرلمانيين في مجالات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.

تشجيع الجامعات ومراكز البحث على بناء شبكة متوسطية للابتكار والبحث العلمي.

تعزيز التعاون في مواجهة الجرائم السيبرانية والتضليل الرقمي وخطابات الكراهية.

إن مستقبل منطقتنا لن تحدده الخوارزميات وحدها، ولن تصنعه مراكز البيانات فقط...

إنه سيصنعه الإنسان؛ سيصنعه المشرع الذي يضع القانون؛ والباحث الذي ينتج المعرفة؛ والمعلم الذي يغرس القيم؛ والشاب الذي يؤمن بأن التكنولوجيا ينبغي أن تكون جسراً للتعاون، لا وسيلة للهيمنة.

لقد أثبت التاريخ أن الحضارات لا تنهار عندما تضعف إمكاناتها المادية، وإنما عندما تفقد بوصلتها الأخلاقية؛ لذلك إذا نجحنا في الجمع بين قوة التكنولوجيا وقوة الأخلاق، فإننا سنفتح أمام الإنسانية آفاقاً غير مسبوقة من الازدهار والسلام. أما إذا انفصل العلم عن القيم، فإنَّ أخطر ما سنخسره لن يكون السيطرة على الآلة، بل السيطرة على مصيرنا.

وتوجهت في الختام بكلمة إلى شباب المنطقة، فهم ليسوا مستقبلها فحسب، بل حاضرها أيضاً. فلا ينبغي أن يسمح لأحد أن يختزل هويتهم في الصراعات، أو أن يزرع بينهم بذور الكراهية أو التعصب أو اليأس. لقد ورثوا حضارةً كانت عبر التاريخ مهدَ الديانات، ومنارةً للعلم، وجسراً للتبادل بين الشعوب. ومسؤوليتهم اليوم أن يحافظوا على هذا الإرث، وأن يبنوا مستقبلاً يكون فيه التنوع مصدر قوة، والاختلاف مدخلاً للإبداع، والحوار سبيلاً للسلام.

إن العالم يدخل مرحلة جديدة تقودها الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، لكن التكنولوجيا وحدها لن تصنع المستقبل. المستقبل تصنعه العقول المؤمنة بقيم الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، والقلوب التي تؤمن بأنَّ السلام أقوى من الحرب، وأنَّ التعاون أسمى من الصراع، وأنَّ الإنسان سيظل دائماً أسمى من كل آلة.