«الفطر السحري» يُعيد ذكريات مفقودة لمريضة ألزهايمر

حالة فردية تثير أسئلة علمية حول قدرات قد تظلّ كامنة في الدماغ المتضرّر

ما ننساه قد لا يكون قد غادر تماماً (أ.ف.ب)
ما ننساه قد لا يكون قد غادر تماماً (أ.ف.ب)
TT

«الفطر السحري» يُعيد ذكريات مفقودة لمريضة ألزهايمر

ما ننساه قد لا يكون قد غادر تماماً (أ.ف.ب)
ما ننساه قد لا يكون قد غادر تماماً (أ.ف.ب)

في تطوّر طبّي لافت، بدأت امرأة في الثمانينات من عمرها، كانت تعاني مرض «ألزهايمر» المتقدّم، تتحدّث من تلقاء نفسها وتستعيد ذكريات من حياتها بعد تناولها جرعة من فطر يحتوي على مادة «السيلوسيبين» المهلوسة.

ويعرف «الفطر السحري» بقدرته على إحداث الهلوسة وتغيير إدراك الإنسان للواقع، لكنّ تقريراً نقلته «الإندبندنت» عن حالة مريضة واحدة دفع العلماء إلى التساؤل عما إذا كان «السيلوسيبين»، وهو المركّب المهلوس الموجود فيه، قد تكون له تأثيرات غير متوقَّعة في الدماغ المتقدّم في السنّ.

ويصف التقرير تغيرات لوحظت لدى امرأة يابانية - أميركية في الثمانينات من عمرها، كانت تعاني مرض «ألزهايمر» المتقدّم، بعد تناولها فطراً يحتوي على «السيلوسيبين».

ويستخدم مصطلح «الخرف» لوصف مجموعة واسعة من العوارض التي تؤثر في الذاكرة والتفكير والقدرة على الاستقلال في أداء الأنشطة اليومية، فيما يعدّ مرض «ألزهايمر» السبب الأكثر شيوعاً للخرف.

وكانت حالة المرأة قد شهدت تدهوراً تدريجياً على مدى عقد. وخلال السنوات الخمس السابقة، كانت تتواصل غالباً باستخدام كلمات مفردة، وتعتمد بدرجة كبيرة على الآخرين في رعايتها اليومية. كما كانت تواجه صعوبة في المشي وارتداء ملابسها بنفسها، وتعاني سلساً بولياً مزمناً.

وتناولت المرأة 5 غرامات من الفطر المحتوي على «السيلوسيبين». ولا يعرف على وجه الدقة مقدار المادة التي حصلت عليها، نظراً إلى تفاوت تركيزها بين أنواع الفطر.

وخلال التجربة، تعرقت بشدّة ودخلت في حالة مطوّلة شبيهة بالنوم. وبعد نحو 19 ساعة، بدأت تتحدّث من تلقاء نفسها وتستعيد ذكريات من حياتها.

وخلال الأيام والأسابيع التالية، أفاد مقدّمو الرعاية بأنها بدت أكثر يقظة، وأصبحت تتعرّف إلى أفراد أسرتها، وتمشي باستقلالية أكبر، وبدأت ترتدي ملابسها بنفسها، كما استعادت التحكُّم في التبوّل.

وبعد شهر، أُخضعت لجلسة ثانية تحت إشراف متخصّصين، تناولت خلالها 3 غرامات من الفطر، وبدت مجدّداً أكثر قدرة على التعبير وأكثر رشاقة في الحركة.

وأثارت هذه الحالة مقارنات مع كتاب طبيب الأعصاب أوليفر ساكس الصادر عام 1973 بعنوان «إفاقة»، الذي وصف فيه مرضى استعادوا بصورة غير متوقَّعة بعض القدرات التي فقدوها بعد علاجهم بدواء «إل-دوبا»، المعروف أيضاً باسم «ليفودوبا»، المستخدم في علاج مرض «باركنسون». ورغم اختلاف المرضين والعلاجين تماماً، فإنّ الحالتين تثيران تساؤلات حول ما قد يظلّ كامناً من وظائف داخل الدماغ المتضرّر.

ما غاب عن الوعي قد يبقى في مكان ما (أ.ف.ب)

لا دليل على أنّ «السيلوسيبين» يعكس مسار مرض «ألزهايمر»

لكن التقرير لا يثبت أنّ «السيلوسيبين» أو غيره من المواد المهلوسة يمكن أن يعكس مسار مرض «ألزهايمر».

فقد تناولت الدراسة حالة شخص واحد فقط، ولم تكن تجربة سريرية محكمة. كما استند تشخيص المرأة إلى تاريخها المرضي، من دون تأكيده باستخدام المؤشرات الحيوية، وهي علامات بيولوجية لمرض «ألزهايمر» يمكن رصدها من خلال فحوص مثل تصوير الدماغ أو تحليل السائل الشوكي.

ولم تكن هناك مجموعة للمقارنة، كما لم تجرِ اختبارات معيارية للذاكرة والتفكير قبل العلاج وبعده، واستندت الملاحظات بدرجة كبيرة إلى إفادات مقدّمي الرعاية وأفراد الأسرة.

ويتميّز مرض «ألزهايمر» بتراكم بروتينات غير طبيعية، وحدوث التهابات، وتضرّر الروابط بين خلايا الدماغ، وصولاً إلى موت الخلايا العصبية. ولا توجد أدلة على أنّ «السيلوسيبين» عكس مسار هذه العمليات المرضية الأساسية.

ويقترح الباحثون أنه ربما أحدث مؤقتاً تغييراً في طريقة التواصل بين شبكات الدماغ المتبقية، وهي مجموعات من مناطق الدماغ تعمل معاً، ما قد يكون جعل بعض القدرات أكثر سهولة في الاستعادة. لكنّ التقرير لم يتضمّن فحوصاً لتصوير الدماغ، ولذلك تظلّ هذه الفرضية غير مختَبرة.

ويرجع اهتمام العلماء بهذا الاحتمال جزئياً إلى قدرة الدماغ على التكيُّف. فمن المعروف اليوم أنه يستطيع إعادة تنظيم نفسه طوال حياة الإنسان. وخلال معظم القرن الـ20، كان العلماء يعتقدون أنّ دماغ الإنسان البالغ يظلّ ثابتاً نسبياً، لكن البحوث أظهرت لاحقاً أنه قادر على تكوين روابط جديدة، وأنّ شبكاته العصبية يمكن أن تتغيّر استجابة للتجارب والخبرات.

وتعرف هذه العملية باسم «المرونة العصبية»، وهي تدعم التعلُّم والذاكرة والتعافي من الإصابات، وإنما كفاءتها تتراجع عموماً مع التقدُّم في العمر والإصابة بالخرف.

ويعمل «السيلوسيبين» بصورة رئيسية من خلال أحد مستقبلات السيروتونين المعروف باسم «5-HT2A». والسيروتونين ناقل كيميائي يشارك في تنظيم المزاج والإدراك ووظائف أخرى، فيما تعدّ المستقبلات بروتينات تمكن الخلايا من الاستجابة للإشارات الكيميائية.

وتشير الدراسات التي أجريت على الحيوانات إلى أنّ «السيلوسيبين» قد يشجّع على تكوين «الأشواك التغصنية»، وهي نتوءات دقيقة على الخلايا العصبية تساعدها على التواصل فيما بينها. كما قد تؤثر المواد المهلوسة في مسارات الإشارات المرتبطة بعامل التغذية العصبية المستمد من الدماغ «BDNF»، وهو بروتين يؤدّي دوراً مهماً في الحفاظ على الروابط بين الخلايا العصبية.

وتشير دراسات تصوير الدماغ إلى أنّ «السيلوسيبين» يغيّر مؤقتاً طريقة التواصل بين شبكات الدماغ واسعة النطاق، فتصبح بعض الشبكات أقل انفصالاً عن بعضها، في حين تتعطّل أنماط النشاط العصبي المعتادة.

وخلال العقد الماضي، أظهرت التجارب السريرية نتائج واعدة في علاج الاكتئاب، كما تناولت دراسات أصغر العلاج بمساعدة «السيلوسيبين» للقلق وبعض أشكال الإدمان.

وبحثت دراسات أخرى التأثيرات المحتملة المضادة للالتهاب لهذه المادة، وهو أمر يكتسب أهمية لأن الالتهاب المزمن يعتقد أنه يسهم في الإصابة بمرض «ألزهايمر» وغيره من الاضطرابات التنكسية العصبية، وهي حالات تتعرَّض فيها الخلايا العصبية للتلف أو الموت تدريجياً.

وتشير بحوث المختبرات والتجارب على الحيوانات إلى أنّ المواد المهلوسة قد تؤثّر في نمو الخلايا العصبية والالتهاب ونشاط شبكات الدماغ، لكن ما إذا كانت هذه التأثيرات تحدث لدى المصابين بمرض «ألزهايمر» لا يزال غير معروف.

وفي دراسة منفصلة، يبحث باحثون في جامعة كاليفورنيا في بيركلي كيفية تأثير «السيلوسيبين» في بالغين يتمتّعون بقدرات معرفية سليمة، وتتراوح أعمارهم بين 60 و85 عاماً.

ولا تختبر هذه الدراسة علاجاً للخرف، وإنما سيتلقّى المشاركون «سيلوسيبين» اصطناعياً، ويخضعون لفحوص تصوير الدماغ واختبارات الذاكرة والتفكير.

تحذيرات من المخاطر

وهناك أسباب مهمة تدعو إلى الحذر؛ إذ إنّ «السيلوسيبين» ليس خالياً من المخاطر. فقد تكون التجارب المهلوسة مخيفة ومربكة، ولا سيما لدى الأشخاص الأكثر عرضة للتأثر. كما قد يواجه كبار السنّ مخاطر متزايدة تشمل السقوط، ومشكلات القلب والدورة الدموية، والتداخلات الدوائية.

وقد عانت المرأة تعرّقاً شديداً، واشتبه في ارتفاع درجة حرارة جسمها، ودخلت في حالة مطولة شبيهة بالنوم. ولا يعني عدم ظهور مضاعفات دائمة أن هذا النهج آمن.

وسيكون من الخطير تفسير هذا التقرير على أنه مبرر لتجربة الفطر المحتوي على «السيلوسيبين» خارج إطار بحثي أو سريري يخضع لإشراف دقيق.

وتثير الحالة احتمالاً يستحق الدراسة، وهو أنه حتى بعد سنوات من التدهور المعرفي الشديد، قد تظل بعض القدرات قابلة للاستعادة مؤقتاً. لكن ما إذا كان «السيلوسيبين» قد أدّى دوراً مباشراً في ذلك، وكيف فعل ذلك، وما إذا كان من الممكن تكرار هذه التأثيرات لدى أشخاص آخرين، كلها أسئلة لا تزال بلا إجابة.


مقالات ذات صلة

أدمغة بشرية حية تكشف كيف يغيّر التحفيز الكهربائي نشاط الخلايا والجينات

علوم أدمغة بشرية حية تكشف كيف يغيّر التحفيز الكهربائي نشاط الخلايا والجينات

أدمغة بشرية حية تكشف كيف يغيّر التحفيز الكهربائي نشاط الخلايا والجينات

دراسة تفتح نافذة جديدة لفهم الذاكرة وتمهّد لعلاجات أكثر دقة للتدهور المعرفي

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
صحتك ألزهايمر... كيف غيّر العلم فهمه وأتاح آفاقاً جديدة في التشخيص والعلاج؟

ألزهايمر... كيف غيّر العلم فهمه وأتاح آفاقاً جديدة في التشخيص والعلاج؟

لم يعد الخوف من مرض ألزهايمر يقتصر على فقدان الذاكرة فحسب، بل أصبح يشمل تساؤلات يطرحها الكثيرون مع تقدم العمر، وفي مقدمتها: كيف يمكننا حماية أدمغتنا؟

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة
صحتك بعض المكملات قد يحمل مخاطر تستدعي الحذر (رويترز)

أفضل وأسوأ المكملات الغذائية لصحة الدماغ

مع ازدياد الإقبال على المكملات الغذائية التي تعد بتقوية الذاكرة والحفاظ على صحة الدماغ قد تبدو بعض الحبوب وكأنها الحل السهل لمواجهة النسيان والتراجع المعرفي

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك زيادة معدل مشاهدة التلفاز ارتبطت بتراجع الأداء المعرفي (بيكسباي)

مشاهدة التلفاز ضد الجلوس أمام الحاسوب... أيهما أكثر ضرراً لصحة الدماغ؟

يرتبط «السلوك الخامل» للإنسان بمجموعة من المشكلات الصحية، بما في ذلك زيادة خطر التدهور المعرفي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك التقدم في العمر يؤدي إلى تراكم المعرفة والخبرة (رويترز)

8 طرق يؤثر بها التقدم في السن على الدماغ... كيف تتعامل معها؟

يمكن أن يكون للشيخوخة تأثيرات إيجابية وأخرى سلبية فمع تقدمك في العمر يمكنك جني فوائد وجود دماغ ناضج لكن يجب أيضاً حماية صحة دماغك من الآثار الضارة 

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«الصحفيين» المصرية لفض الاشتباك بين طارق الشناوي ومصطفى كامل

مصطفى كامل في حفل بالساحل (صفحته على «فيسبوك»)
مصطفى كامل في حفل بالساحل (صفحته على «فيسبوك»)
TT

«الصحفيين» المصرية لفض الاشتباك بين طارق الشناوي ومصطفى كامل

مصطفى كامل في حفل بالساحل (صفحته على «فيسبوك»)
مصطفى كامل في حفل بالساحل (صفحته على «فيسبوك»)

أعلنت «نقابة الصحفيين» بمصر محاولتها «فض الاشتباك» وإنهاء السجال الدائر على وسائط «سوشيالية» و«إعلامية» منذ أيام بين الناقد الفني طارق الشناوي، ونقيب الموسيقيين مصطفى كامل.

وبدأ السجال عقب انتشار مقاطع من حفل مصطفى كامل بالساحل الشمالي أخيراً، وتداول منشور كتبه طارق الشناوي عبر حسابه على موقع «فيسبوك» انتقد خلاله النقيب وطالبه بالتحقيق مع شخصه؛ لأنه سمح لمطرب صوته «نشاز» اسمه مصطفى كامل بالغناء في أحد الملاهي الليلية بالساحل الشمالي، مما يعرض سمعة الغناء المصري للانحدار، حسب تعبيره.

بدوره، رد مصطفى كامل على منشور طارق الشناوي، مؤكداً أن «رأيه لا يعنيه»، ليرد الشناوي مجدداً بأنه «لا يصلح واجهة للموسيقيين بمصر».

ودخل الفنان مصطفى قمر على خط الأزمة بين الناقد والنقيب، وكتب عبر حسابه على موقع «إنستغرام»: «أضم صوتي لزملائي أعضاء (الموسيقيين)، ولا لإهانة النقيب تحت مظلة النقد»، موجهاً حديثه للناقد طارق الشناوي قائلاً: «إذا كان عذرك أنك لا تعلم تاريخ الفنان مصطفى كامل كفنان مؤثر غنى له جميع نجوم مصر، فهذا جهل إعلامي خطير».

وحسب بيان «رابطة كتّاب ونقّاد الفن» بـ«نقابة الصحفيين» المصريين الأحد، فإن «ما أثير خلال الأيام الأخيرة من نقاش بين الناقد طارق الشناوي... وما صاحب هذا النقاش من اختلاف في وجهات النظر، حول الأعمال الفنية وتقييمها، أمر طبيعي وصحي، ما دام يجري في إطار الاحترام المتبادل، ودون أن يتحول الخلاف حول الرأي إلى خلاف شخصي».

وتؤكد «الرابطة» أن «النقد الفني يمثل أحد الأضلاع الأساسية في منظومة الإبداع؛ فهو ليس خصماً للفنان، ولا انتقاصاً من تجربته، وإنما ممارسة مهنية وثقافية تسهم في قراءة الأعمال وتقييمها، وتساعد على تطوير الذائقة العامة والحوار حول الفن، ومن الطبيعي أن تتعدد الآراء حول العمل الواحد، وأن يختلف الناقد والفنان في تقييمهما للأداء أو التجربة».

الكاتب والناقد الفني طارق الشناوي (نقابة الصحفيين)

ورحبت «الرابطة» باللقاء الذي سيُعقد في «نقابة الصحفيين»، برعاية النقيب خالد البلشي، ومحمود كامل عضو مجلس النقابة، والذي يجمع بين الناقد طارق الشناوي ونقيب الموسيقيين مصطفى كامل، باعتباره خطوة إيجابية نحو تهدئة الأجواء وفتح مساحة للحوار المباشر، بما يحفظ للجميع مكانتهم، ويعيد النقاش إلى إطاره الطبيعي القائم على الاختلاف المهني والاحترام المتبادل.

من جانبه، أكد الناقد الفني أحمد سعد الدين أن «الجدل المثار لا يستحق كل هذه الضجة. وكل شخص حر في رأيه، ويبقى الحال كما هو عليه. وأرى أنه لا داعي لتفاقم الأزمة من الأساس»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن مبادرة «الصحفيين» ستعمل على تهدئة الأوضاع.

وأكدت «رابطة كتّاب ونقّاد الفن» استعدادها للمساهمة في أي حوار مؤسسي يستهدف وضع أسس واضحة للعلاقة بين النقاد والفنانين، بما يضمن حق الفنان في الرد، وحق الناقد في إبداء رأيه بحرية واستقلال ومسؤولية.

من جهته، قال الناقد الفني، ورئيس «رابطة كتّاب ونقّاد الفن» مصطفى الكيلاني، لـ«الشرق الأوسط»، إن «اللقاء سيُعقد في مكتب نقيب الصحافيين، وبرعاية ودعوة الصحافي محمود كامل، عضو مجلس النقابة، ورئيس اللجنة الفنية والثقافية».

ورحب مصطفى الكيلاني باللقاء، لافتاً إلى أن «ما يجري هو الحل الأمثل لضبط العلاقة بين الفنان والناقد»، وأن «الحوار سيكون مهماً وثرياً، وستتم مناقشة تفاصيل كثيرة خاصة بدور النقد وأهميته، وأساس عمل الناقد الفني في مصر».


كيفية التعايش مع شريك دائم القلق

القلق يجعلك تفقد الكثير مما تقدمه الحياة (بيكسباي)
القلق يجعلك تفقد الكثير مما تقدمه الحياة (بيكسباي)
TT

كيفية التعايش مع شريك دائم القلق

القلق يجعلك تفقد الكثير مما تقدمه الحياة (بيكسباي)
القلق يجعلك تفقد الكثير مما تقدمه الحياة (بيكسباي)

غالباً ما يتعامل الأفراد الذين يعانون باستمرار من القلق المفرط في الحياة اليومية عن طريق تجنب الأنشطة والأماكن التي تزيد من مشاعر القلق لديهم.

وغالباً ما يعاني شركاء وأزواج هؤلاء الأفراد من قلق متزايد نتيجة تعاطفهم مع أحبائهم ورغبتهم في تمكينهم من تضييق نمط حياتهم مع تجنب المزيد من الأنشطة والأماكن.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بأخبار الصحة النفسية والعقلية، فإن التأثير طويل المدى لهذه الاستراتيجية هو أن يعيش شخصان قلقان للغاية في عالم ضيق جداً، ويفقدان الكثير مما تقدمه الحياة.

ويمكن أن يهدد هذا سلامة العلاقة مع ازدياد الاستياء، حيث يضحي الشريك الذي لم يكن قلقاً في السابق أكثر فأكثر لتهدئة قلق الشخص المحبوب. لكن، تعلم كيفية التعامل مع قلق شريكك دون الاستسلام له سيدعم سلامة العلاقة مع تجنب التقليل من أنشطة الحياة.

فكيف تتعايش مع شريكك القلق؟

القلق المفرط يمكن أن يكون نتيجة لأسباب عديدة مختلفة. يعد تاريخ الصدمات، وعدم التوازن الكيميائي العصبي، وانعدام الثقة بالنفس من الدوافع المتكررة للغاية.

وإن الاستجابة لقلق الشخص العزيز عليك من خلال التعاون معه في محاولته لتجنب المواقف العصيبة يعطي راحة قصيرة المدى، ولكنه يجعل الوضع أسوأ على المدى الطويل.

أما الحل الصحي فهو إجبار من تحب على معالجة القلق من مصدره بدلاً من الاستسلام له... فكيف تساعد شريكك القلق؟

التعاطف دون استيعاب القلق

الخطوة الأولى هي أن تتعلم كيفية التعاطف مع شريكك دون امتصاص قلقه. أنت متعاطف مع معاناتهم، ولكنك لا تقبل القيود المرتبطة بها. أنت تشجعهم على طلب المساعدة حتى يتمكنوا من الانضمام إليك في أنشطتك بدلاً من التخلي عن أنشطتك لتهدئتهم.

شجع أحباءك على التغلب على مخاوفهم

شجع شريكك على الحصول على مساعدة للتخلص من قلقه، وادعم جهوده لمكافحة قلقه، وكن مستعداً لبعض المقاومة، خصوصاً إذا كنت قد استسلمت لقلقه لفترة طويلة من الوقت.

وقد يكون هذا أمراً صعباً، وربما لن ينجح في المرة الأولى التي تحاول فيها ذلك، لكن، يجب أن تكون شجاعاً بينما تكون أيضاً متعاطفاً ومتفهماً. وإذا اختار أحد أحبائك أن يظل مريضاً بالقلق بدلاً من أن يكون معك، فهو غير مستعد للشفاء والتجاوز.

وسيتعين عليك أن تقرر المدة التي ستظل فيها بحالة جيدة لمواصلة تشجيعهم على الشفاء ومتى ستحتاج إلى المضي قدماً من دونهم. وإذا ضحيت بنموك من أجل شخص آخر تشبث بالقلق، فسوف يخسر كلاكما.


مصر: اكتشاف بقايا مجمع سكني بمنطقة معبد سخمت في ميت رهينة

أجزاء من تماثيل مكتشفة في ميت رهينة (وزارة السياحة والآثار)
أجزاء من تماثيل مكتشفة في ميت رهينة (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: اكتشاف بقايا مجمع سكني بمنطقة معبد سخمت في ميت رهينة

أجزاء من تماثيل مكتشفة في ميت رهينة (وزارة السياحة والآثار)
أجزاء من تماثيل مكتشفة في ميت رهينة (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت البعثة الأثرية المصرية الصينية المشتركة، بين المجلس الأعلى للآثار ومتحف شنغهاي بجمهورية الصين الشعبية، الأحد، عن اكتشاف مجموعة من اللقى والعناصر الأثرية المهمة خلال أعمالها بموقع معبد سخمت بميت رهينة (جنوب الجيزة)، التي تسهم في إلقاء المزيد من الضوء على تاريخ المنطقة وطبيعة الحياة بها خلال فترات زمنية متعاقبة.

وكشفت البعثة بقايا مجمع سكني من الطوب اللبن في المنطقة المحيطة بالمعبد، إلى جانب عدد من الكتل الحجرية وأجزاء من التماثيل، يُرجح أن بعضها كان جزءاً من معبد بتاح الكبير، الذي كان المعبد الرئيسي لمدينة منف القديمة، وكان معبد سخمت أحد أجزائه، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار.

كما كشفت أعمال الحفائر عن عنصر مبني من الحجر الجيري يُرجح أنه كان يُستخدم معصرة للنبيذ، ويتكون من حوض علوي ينحدر جنوباً باتجاه فتحة مركزية، وحوض تجميع سفلي، ويعلو كل منهما فتحة مخصصة لتثبيت الأمفورات المستخدمة في ملء السائل، وقد عُثر بداخله على بعض بذور العنب، بما يدعم هذا التفسير.

وأسفرت الحفائر عن «اكتشاف مجموعة متنوعة من اللقى الأثرية، من بينها كتل حجرية وأجزاء من تماثيل، يعود معظمها إلى عصر الدولة الحديثة، خصوصاً عصر الملك رمسيس الثاني، ومصنوعة من أنواع مختلفة من الأحجار، منها الحجر الجيري والجرانيت الأحمر والشست، فضلاً عن بقايا فخارية، وتمائم من الفيانس، وتماثيل صغيرة من التراكوتا والحجر الجيري، وأوستراكات، ولوحات نذرية وغيرها من اللقى»، وفق البيان.

من جانبه أعرب وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، عن سعادته بهذا التعاون الأثري المثمر بين مصر والصين، باعتبارهما من أقدم الحضارات في التاريخ، وأكد في البيان أن «هذا الكشف يمثل أحد أوجه التعاون المشترك بين البلدين في مجال العمل الأثري، الذي يشمل عدداً من المشروعات الأثرية والبعثات المصرية الصينية المشتركة».

منطقة الكشف الأثري بميت رهينة (وزارة السياحة والآثار)

وأوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، أن البعثة بدأت أعمالها بتنظيف وتوثيق معبد سخمت، الذي يمثل جزءاً من مجمع معبد بتاح الكبير، كما أجرت أعمال حفائر في المناطق المحيطة به بهدف الكشف عن معالم المنطقة وفهم طبيعة استخدامها عبر العصور.

وأشار رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع، إلى أن هذه المكتشفات تشير إلى استمرار الاستيطان البشري في المنطقة منذ عصر الانتقال الثالث والعصر المتأخر، مروراً بالعصر البطلمي وحتى العصر اليوناني الروماني، بما يعكس استمرار الحياة في منف القديمة حتى بعد تراجع دور المعبد كمركز ديني رئيسي، واستخدام المنطقة كحي سكني.

وتواصل البعثة المصرية الصينية أعمالها خلال المواسم المقبلة، برئاسة الدكتورة ريهام زكي، المشرفة على الشؤون العلمية بالأمانة العامة للمجلس الأعلى للآثار، والدكتور شين جيه (Chen Jie)، نائب مدير متحف شنغهاي، وبمشاركة فريق عمل مصري صيني مشترك، لاستكمال أعمال الكشف الأثري والتوثيق المعماري لمعبد سخمت والمنطقة المحيطة به.

جانب من الكشف الأثري بمنطقة معبد سخمت (وزارة السياحة والآثار)

و«يمثل الكشف الجديد في منطقة معبد سخمت بميت رهينة أهمية علمية تتجاوز قيمة العناصر الأثرية المكتشفة في حد ذاتها؛ إذ إن أهمية الموقع تكمن في قدرته على تقديم صورة أكثر تكاملاً عن مدينة منف باعتبارها مركزاً دينياً وسياسياً بارزاً وفضاءً عاش فيه الناس ومارسوا فيه أنشطتهم اليومية عبر فترات تاريخية متعاقبة»، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «من أبرز ما يلفت النظر في هذه الاكتشافات العثور على بقايا مجمع سكني من الطوب اللبن في محيط المعبد. فهذا النوع من الأدلة الأثرية مهم للغاية في دراسة المدن المصرية القديمة؛ لأن المناطق السكنية تقدم عادةً معلومات مختلفة عن تلك التي توفرها المعابد والمقابر. فالمعبد يعكس بصورة أساسية المؤسسة الدينية وطقوسها ومواردها، بينما يكشف الحيز السكني عن أنماط المعيشة والإنتاج والاستهلاك والحركة اليومية للسكان».

وتابعت: «تزداد أهمية هذا الكشف في ضوء الإشارة إلى استمرار استخدام المنطقة خلال فترات زمنية متعاقبة، من عصر الانتقال الثالث والعصر المتأخر وصولاً إلى العصرين البطلمي واليوناني الروماني. ويعني ذلك أن المنطقة لم تفقد وظيفتها بمجرد تراجع المكانة المركزية للمعبد، وإنما أعيد توظيفها ضمن النسيج الحضري لمنف. وهذه النقطة تحديداً تفتح باباً مهماً لدراسة ما يمكن تسميته بـ(إعادة تشكيل المجال الحضري) في المدن المصرية القديمة؛ أي كيف تتغير وظيفة المكان عندما تتغير الأهمية السياسية أو الدينية للمؤسسات الموجودة فيه».

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم استئناف أعمال الحفائر في المنطقة للمرة الأولى منذ عقود «خطوة علمية مهمة فالعمل الأثري الحديث لم يعد يقتصر على استخراج القطع الأثرية، وإنما أصبح يعتمد على التوثيق المعماري الدقيق، ودراسة الطبقات والسياقات، وتحليل المواد، وربط المكتشفات بالنسيج الحضري والبيئي والاقتصادي للموقع».

لقى أثرية ضمن الاكتشافات (وزارة السياحة والآثار)

وتم الكشف عن معبد سخمت بالمصادفة عام 1959 أثناء أعمال بناء أحد المنازل بالمنطقة، إذ ظهرت بقايا المعبد، أعقبها قيام مفتش الآثار المصرية محمد عبد التواب الحتة، بأعمال التنقيب بالموقع خلال موسم واحد في الفترة من 1961 إلى 1962. وفي عام 2015، جرى توثيق العناصر الأثرية الظاهرة على سطح الموقع من خلال مشروع إدارة موقع ومجتمع منف القديمة، قبل أن تبدأ البعثة المصرية الصينية أعمال الحفائر بالمعبد والمنطقة المحيطة به للمرة الأولى منذ عام 1962.

ويرى الخبير الآثاري والمتخصص في علم المصريات أحمد عامر، أن منطقة آثار ميت رهينة من أهم المناطق الأثرية في محافظة الجيزة، وهي تتبع مدينة منف، حيث كانت عاصمة الإقليم الأول من أقاليم مصر السفلى، فقد تأسست نحو عام 3100 قبل الميلاد وكانت أحد المراكز الدينية العظمى قديماً، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الكشف الأثري الذي تم الإعلان عنه بمثابة بداية لإظهار غالبية آثار المدينة، كما أن كثيراً منها ما زال مطموراً، وهذا الكشف سوف يفتح آفاقاً جديدة لاكتشاف أسرارها والكشف عن معالمها الأثرية، والوصول إلى نتائج علمية دقيقة تبوح بأسرارها عقب استكمال أعمال الحفائر بها».