«الفطر السحري» يُعيد ذكريات مفقودة لمريضة ألزهايمر

حالة فردية تثير أسئلة علمية حول قدرات قد تظلّ كامنة في الدماغ المتضرّر

ما ننساه قد لا يكون قد غادر تماماً (أ.ف.ب)
ما ننساه قد لا يكون قد غادر تماماً (أ.ف.ب)
TT

«الفطر السحري» يُعيد ذكريات مفقودة لمريضة ألزهايمر

ما ننساه قد لا يكون قد غادر تماماً (أ.ف.ب)
ما ننساه قد لا يكون قد غادر تماماً (أ.ف.ب)

في تطوّر طبّي لافت، بدأت امرأة في الثمانينات من عمرها، كانت تعاني مرض «ألزهايمر» المتقدّم، تتحدّث من تلقاء نفسها وتستعيد ذكريات من حياتها بعد تناولها جرعة من فطر يحتوي على مادة «السيلوسيبين» المهلوسة.

ويعرف «الفطر السحري» بقدرته على إحداث الهلوسة وتغيير إدراك الإنسان للواقع، لكنّ تقريراً نقلته «الإندبندنت» عن حالة مريضة واحدة دفع العلماء إلى التساؤل عما إذا كان «السيلوسيبين»، وهو المركّب المهلوس الموجود فيه، قد تكون له تأثيرات غير متوقَّعة في الدماغ المتقدّم في السنّ.

ويصف التقرير تغيرات لوحظت لدى امرأة يابانية - أميركية في الثمانينات من عمرها، كانت تعاني مرض «ألزهايمر» المتقدّم، بعد تناولها فطراً يحتوي على «السيلوسيبين».

ويستخدم مصطلح «الخرف» لوصف مجموعة واسعة من العوارض التي تؤثر في الذاكرة والتفكير والقدرة على الاستقلال في أداء الأنشطة اليومية، فيما يعدّ مرض «ألزهايمر» السبب الأكثر شيوعاً للخرف.

وكانت حالة المرأة قد شهدت تدهوراً تدريجياً على مدى عقد. وخلال السنوات الخمس السابقة، كانت تتواصل غالباً باستخدام كلمات مفردة، وتعتمد بدرجة كبيرة على الآخرين في رعايتها اليومية. كما كانت تواجه صعوبة في المشي وارتداء ملابسها بنفسها، وتعاني سلساً بولياً مزمناً.

وتناولت المرأة 5 غرامات من الفطر المحتوي على «السيلوسيبين». ولا يعرف على وجه الدقة مقدار المادة التي حصلت عليها، نظراً إلى تفاوت تركيزها بين أنواع الفطر.

وخلال التجربة، تعرقت بشدّة ودخلت في حالة مطوّلة شبيهة بالنوم. وبعد نحو 19 ساعة، بدأت تتحدّث من تلقاء نفسها وتستعيد ذكريات من حياتها.

وخلال الأيام والأسابيع التالية، أفاد مقدّمو الرعاية بأنها بدت أكثر يقظة، وأصبحت تتعرّف إلى أفراد أسرتها، وتمشي باستقلالية أكبر، وبدأت ترتدي ملابسها بنفسها، كما استعادت التحكُّم في التبوّل.

وبعد شهر، أُخضعت لجلسة ثانية تحت إشراف متخصّصين، تناولت خلالها 3 غرامات من الفطر، وبدت مجدّداً أكثر قدرة على التعبير وأكثر رشاقة في الحركة.

وأثارت هذه الحالة مقارنات مع كتاب طبيب الأعصاب أوليفر ساكس الصادر عام 1973 بعنوان «إفاقة»، الذي وصف فيه مرضى استعادوا بصورة غير متوقَّعة بعض القدرات التي فقدوها بعد علاجهم بدواء «إل-دوبا»، المعروف أيضاً باسم «ليفودوبا»، المستخدم في علاج مرض «باركنسون». ورغم اختلاف المرضين والعلاجين تماماً، فإنّ الحالتين تثيران تساؤلات حول ما قد يظلّ كامناً من وظائف داخل الدماغ المتضرّر.

ما غاب عن الوعي قد يبقى في مكان ما (أ.ف.ب)

لا دليل على أنّ «السيلوسيبين» يعكس مسار مرض «ألزهايمر»

لكن التقرير لا يثبت أنّ «السيلوسيبين» أو غيره من المواد المهلوسة يمكن أن يعكس مسار مرض «ألزهايمر».

فقد تناولت الدراسة حالة شخص واحد فقط، ولم تكن تجربة سريرية محكمة. كما استند تشخيص المرأة إلى تاريخها المرضي، من دون تأكيده باستخدام المؤشرات الحيوية، وهي علامات بيولوجية لمرض «ألزهايمر» يمكن رصدها من خلال فحوص مثل تصوير الدماغ أو تحليل السائل الشوكي.

ولم تكن هناك مجموعة للمقارنة، كما لم تجرِ اختبارات معيارية للذاكرة والتفكير قبل العلاج وبعده، واستندت الملاحظات بدرجة كبيرة إلى إفادات مقدّمي الرعاية وأفراد الأسرة.

ويتميّز مرض «ألزهايمر» بتراكم بروتينات غير طبيعية، وحدوث التهابات، وتضرّر الروابط بين خلايا الدماغ، وصولاً إلى موت الخلايا العصبية. ولا توجد أدلة على أنّ «السيلوسيبين» عكس مسار هذه العمليات المرضية الأساسية.

ويقترح الباحثون أنه ربما أحدث مؤقتاً تغييراً في طريقة التواصل بين شبكات الدماغ المتبقية، وهي مجموعات من مناطق الدماغ تعمل معاً، ما قد يكون جعل بعض القدرات أكثر سهولة في الاستعادة. لكنّ التقرير لم يتضمّن فحوصاً لتصوير الدماغ، ولذلك تظلّ هذه الفرضية غير مختَبرة.

ويرجع اهتمام العلماء بهذا الاحتمال جزئياً إلى قدرة الدماغ على التكيُّف. فمن المعروف اليوم أنه يستطيع إعادة تنظيم نفسه طوال حياة الإنسان. وخلال معظم القرن الـ20، كان العلماء يعتقدون أنّ دماغ الإنسان البالغ يظلّ ثابتاً نسبياً، لكن البحوث أظهرت لاحقاً أنه قادر على تكوين روابط جديدة، وأنّ شبكاته العصبية يمكن أن تتغيّر استجابة للتجارب والخبرات.

وتعرف هذه العملية باسم «المرونة العصبية»، وهي تدعم التعلُّم والذاكرة والتعافي من الإصابات، وإنما كفاءتها تتراجع عموماً مع التقدُّم في العمر والإصابة بالخرف.

ويعمل «السيلوسيبين» بصورة رئيسية من خلال أحد مستقبلات السيروتونين المعروف باسم «5-HT2A». والسيروتونين ناقل كيميائي يشارك في تنظيم المزاج والإدراك ووظائف أخرى، فيما تعدّ المستقبلات بروتينات تمكن الخلايا من الاستجابة للإشارات الكيميائية.

وتشير الدراسات التي أجريت على الحيوانات إلى أنّ «السيلوسيبين» قد يشجّع على تكوين «الأشواك التغصنية»، وهي نتوءات دقيقة على الخلايا العصبية تساعدها على التواصل فيما بينها. كما قد تؤثر المواد المهلوسة في مسارات الإشارات المرتبطة بعامل التغذية العصبية المستمد من الدماغ «BDNF»، وهو بروتين يؤدّي دوراً مهماً في الحفاظ على الروابط بين الخلايا العصبية.

وتشير دراسات تصوير الدماغ إلى أنّ «السيلوسيبين» يغيّر مؤقتاً طريقة التواصل بين شبكات الدماغ واسعة النطاق، فتصبح بعض الشبكات أقل انفصالاً عن بعضها، في حين تتعطّل أنماط النشاط العصبي المعتادة.

وخلال العقد الماضي، أظهرت التجارب السريرية نتائج واعدة في علاج الاكتئاب، كما تناولت دراسات أصغر العلاج بمساعدة «السيلوسيبين» للقلق وبعض أشكال الإدمان.

وبحثت دراسات أخرى التأثيرات المحتملة المضادة للالتهاب لهذه المادة، وهو أمر يكتسب أهمية لأن الالتهاب المزمن يعتقد أنه يسهم في الإصابة بمرض «ألزهايمر» وغيره من الاضطرابات التنكسية العصبية، وهي حالات تتعرَّض فيها الخلايا العصبية للتلف أو الموت تدريجياً.

وتشير بحوث المختبرات والتجارب على الحيوانات إلى أنّ المواد المهلوسة قد تؤثّر في نمو الخلايا العصبية والالتهاب ونشاط شبكات الدماغ، لكن ما إذا كانت هذه التأثيرات تحدث لدى المصابين بمرض «ألزهايمر» لا يزال غير معروف.

وفي دراسة منفصلة، يبحث باحثون في جامعة كاليفورنيا في بيركلي كيفية تأثير «السيلوسيبين» في بالغين يتمتّعون بقدرات معرفية سليمة، وتتراوح أعمارهم بين 60 و85 عاماً.

ولا تختبر هذه الدراسة علاجاً للخرف، وإنما سيتلقّى المشاركون «سيلوسيبين» اصطناعياً، ويخضعون لفحوص تصوير الدماغ واختبارات الذاكرة والتفكير.

تحذيرات من المخاطر

وهناك أسباب مهمة تدعو إلى الحذر؛ إذ إنّ «السيلوسيبين» ليس خالياً من المخاطر. فقد تكون التجارب المهلوسة مخيفة ومربكة، ولا سيما لدى الأشخاص الأكثر عرضة للتأثر. كما قد يواجه كبار السنّ مخاطر متزايدة تشمل السقوط، ومشكلات القلب والدورة الدموية، والتداخلات الدوائية.

وقد عانت المرأة تعرّقاً شديداً، واشتبه في ارتفاع درجة حرارة جسمها، ودخلت في حالة مطولة شبيهة بالنوم. ولا يعني عدم ظهور مضاعفات دائمة أن هذا النهج آمن.

وسيكون من الخطير تفسير هذا التقرير على أنه مبرر لتجربة الفطر المحتوي على «السيلوسيبين» خارج إطار بحثي أو سريري يخضع لإشراف دقيق.

وتثير الحالة احتمالاً يستحق الدراسة، وهو أنه حتى بعد سنوات من التدهور المعرفي الشديد، قد تظل بعض القدرات قابلة للاستعادة مؤقتاً. لكن ما إذا كان «السيلوسيبين» قد أدّى دوراً مباشراً في ذلك، وكيف فعل ذلك، وما إذا كان من الممكن تكرار هذه التأثيرات لدى أشخاص آخرين، كلها أسئلة لا تزال بلا إجابة.


مقالات ذات صلة

أدمغة بشرية حية تكشف كيف يغيّر التحفيز الكهربائي نشاط الخلايا والجينات

علوم أدمغة بشرية حية تكشف كيف يغيّر التحفيز الكهربائي نشاط الخلايا والجينات

أدمغة بشرية حية تكشف كيف يغيّر التحفيز الكهربائي نشاط الخلايا والجينات

دراسة تفتح نافذة جديدة لفهم الذاكرة وتمهّد لعلاجات أكثر دقة للتدهور المعرفي

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
صحتك ألزهايمر... كيف غيّر العلم فهمه وأتاح آفاقاً جديدة في التشخيص والعلاج؟

ألزهايمر... كيف غيّر العلم فهمه وأتاح آفاقاً جديدة في التشخيص والعلاج؟

لم يعد الخوف من مرض ألزهايمر يقتصر على فقدان الذاكرة فحسب، بل أصبح يشمل تساؤلات يطرحها الكثيرون مع تقدم العمر، وفي مقدمتها: كيف يمكننا حماية أدمغتنا؟

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة
صحتك بعض المكملات قد يحمل مخاطر تستدعي الحذر (رويترز)

أفضل وأسوأ المكملات الغذائية لصحة الدماغ

مع ازدياد الإقبال على المكملات الغذائية التي تعد بتقوية الذاكرة والحفاظ على صحة الدماغ قد تبدو بعض الحبوب وكأنها الحل السهل لمواجهة النسيان والتراجع المعرفي

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك زيادة معدل مشاهدة التلفاز ارتبطت بتراجع الأداء المعرفي (بيكسباي)

مشاهدة التلفاز ضد الجلوس أمام الحاسوب... أيهما أكثر ضرراً لصحة الدماغ؟

يرتبط «السلوك الخامل» للإنسان بمجموعة من المشكلات الصحية، بما في ذلك زيادة خطر التدهور المعرفي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك التقدم في العمر يؤدي إلى تراكم المعرفة والخبرة (رويترز)

8 طرق يؤثر بها التقدم في السن على الدماغ... كيف تتعامل معها؟

يمكن أن يكون للشيخوخة تأثيرات إيجابية وأخرى سلبية فمع تقدمك في العمر يمكنك جني فوائد وجود دماغ ناضج لكن يجب أيضاً حماية صحة دماغك من الآثار الضارة 

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

نصيحتان من «مُدرب المديرين»... كيف تدفع الآخرين للإنصات إليك؟

إذا تعلمت أن تبدو وتتصرف كقائد فسيعاملك الناس كقائد (بيكسلز)
إذا تعلمت أن تبدو وتتصرف كقائد فسيعاملك الناس كقائد (بيكسلز)
TT

نصيحتان من «مُدرب المديرين»... كيف تدفع الآخرين للإنصات إليك؟

إذا تعلمت أن تبدو وتتصرف كقائد فسيعاملك الناس كقائد (بيكسلز)
إذا تعلمت أن تبدو وتتصرف كقائد فسيعاملك الناس كقائد (بيكسلز)

يقول جون بوي، الصحافي ومدرب الخطابة، في مقال على موقع «سي إن بي سي»: «بعد سنوات من تدريب المديرين التنفيذيين على التواصل الفعّال، أوافق على أن الملابس الأنيقة والوقفة الجيدة مفيدتان بلا شك. لكنهما لا تساعدانك في قيادة الناس أو الشركات».

تتلخص القيادة في إظهار حُسن التقدير باستمرار، وغالباً من خلال ما تقوله وكيف تقوله. الأشخاص الذين نراهم أصحاب سلطة يميلون إلى معرفة ما يقولونه قبل بقيتنا. يبدو أنهم ينقلون معنى أكثر بكلمات أقل، وينظمون الأفكار المعقدة بطرق بسيطة، والأهم: يعرفون متى يتوقفون عن الكلام.

ويضيف بوي: «هذه العادات تجعل الناس يرغبون في الاستماع إليك. إنها ليست قائمة على الشخصية، بل هي مهارات يمكنك تعلّمها». إليك أهم نصيحتين للبدء بهما:

تكلَّم أقل

تخيل أن شخصاً ما يسأل، في غرفة مليئة بالزملاء: «هل سيكون التقرير جاهزاً يوم الثلاثاء؟» قارن بين هاتين الإجابتين:

* «حسناً، آه، أعني، أعتقد أننا ربما سنتمكن من تجهيزه بحلول ذلك الوقت؟ ما زلنا ننتظر بعض الأرقام من فريق المالية، لكن بناءً على ما سيحدث هناك، بافتراض أننا سنحصل عليها صباح الاثنين أو حتى في وقت لاحق من الاثنين قبل، الساعة الثالثة، على ما أظن، إذن نعم، الثلاثاء يجب أن يكون ممكناً، أو هكذا نأمل».

* «نعم. سنجهّزه يوم الثلاثاء».

يشرح بوي: «في تجربتي، كلما كان الرتبة أعلى، كانت الإجابات أقصر. غالباً ما يكون لدى الموظفين الجدد إحساس مفرط بالذات، وإدراك محدود للغاية بأن الطرف الآخر لا يريد سماعهم يفكرون بصوت عالٍ أو يثبتون ذكاءهم. الإطالة في الشرح هي واحدة من أسرع الطرق لإضعاف هيبتك».

لذا، فإن الخطوة الكبرى الأولى نحو الحضور التنفيذي هي التخلص من الكلمات والعبارات الزائدة التي تعترض الطريق. إليك بعض الأنواع الشائعة مما أسميه «الضجيج اللفظي»، والتي يمكنك البدء بحذفها من كلامك:

الحشو

كلمات مثل «آه» و«أتعلم» تجعل آذان الجمهور وعقولهم تعمل بجهد أكبر، لكنها لا تضيف شيئاً لفهمهم.

عبارات التلطيف

هي كلمات أو جمل تضعف قوة العبارة دون تغيير مضمونها، مثل «أعتقد» و«ربما» و«نوعاً ما» و«أردت فقط أن أقول بسرعة...» و«إن كان هذا منطقياً».

الصياغة المتعثرة أو الكلمات الزائدة

استبدل «سبعة» بـ«نحو ستة أو سبعة»، واستبدل «إذا حصلنا عليها بحلول الساعة 3 من بعد ظهر الاثنين»، بـ«بافتراض أننا سنحصل عليها صباح الاثنين أو حتى في وقت لاحق من الاثنين قبل، مثلاً، الساعة 3 مساءً».

الرطانة

العبارات الاصطلاحية تُضعف انتباه جمهورك وتجعلك أصعب في الفهم. استخدم دائماً أبسط العبارات وأكثرها مباشرة.

الشرح الزائد

الإجابات التي تتجاوز نطاق السؤال تضعف ما تحاول توصيله بمعلومات غير ضرورية وغالباً غير مفيدة.

أعطِ الإجابة أولاً

يجب أن تبدأ كلامك بالإجابة، ثم اشرح السبب، مع تقديم ثلاث إلى خمس نقاط داعمة متميزة لكلامك.

يُكوِّن الناس أحكاماً حول المتحدثين بسرعة ملحوظة. إذا لم يعرفوا أين تتجه بحديثك خلال بضع ثوانٍ، فقد يفقدون التركيز ويبدأون في التساؤل عما إذا كنت تعرف ما تتحدث عنه. لكن إذا أعطيت الناس الإجابة أولاً، فمن المرجح أن يستمروا في الاستماع.

من الواضح أن ليس كل سؤال يصلح لإجابة مختصرة مثالية؛ فأنت لا تريد التبسيط المفرط أو إيصال يقين زائف. الهدف هو التمييز بين المعلومات التي يحتاج إليها جمهورك والمعلومات التي تصادف أن تعرفها أنت.

كلما تعلّمت التحدث بلغة موجزة وتقريرية، وكلما تدربت أكثر على تقديم إجاباتك أولاً، أصبح من الأسهل التوقف عن الاسترسال، وتقليص عاداتك اللفظية السيئة، وتقديم ردود تبدو مقصودة وسهلة المتابعة، حتى عندما يكون الموضوع معقداً. على الأرجح ستصبح أيضاً أقل توتراً وأكثر ثقة. وفي مرحلة ما، لن تحتاج إلى تصنّع أو «إظهار» السلطة. بل ستمتلكها.


ما أفضل طريقة للتعبير عن حبك لأطفالك؟

تربية الأطفال أمر صعب ومرهق (رويترز)
تربية الأطفال أمر صعب ومرهق (رويترز)
TT

ما أفضل طريقة للتعبير عن حبك لأطفالك؟

تربية الأطفال أمر صعب ومرهق (رويترز)
تربية الأطفال أمر صعب ومرهق (رويترز)

طرحت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) سؤالاً بشأن أفضل طريقة للتعبير عن حبك لأطفالك على خلفية الجدل الذي أثاره أسطورة كرة القدم الإنجليزية، مايكل أوين، هذا الأسبوع بعد تصريحه بأنه «لا يخبر أطفاله أبداً» بأنه يحبهم، رغم أنهم يمثلون بالنسبة له «أغلى ما في الوجود».

وقال الأب لأربعة أبناء، في مقابلة عبر بودكاست مع جيمي لينغ: «لا أقول شيئاً من هذا القبيل. أفترض ببساطة أن أفعالي ستُظهر لهم أنني أحبهم. وأعتقد أن معظمنا يتصرفون على هذا النحو».

وقالت «بي بي سي» إنه في حين أبدى البعض استغرابهم من تعليقات أوين، مؤكدين حرصهم الدائم على إخبار أطفالهم بمشاعرهم، فإنَّ آباء آخرين أشاروا إلى أنهم يشاركون المهاجم السابق وجهة نظره هذه.

وطرح هذا النقاش تساؤلاً مهماً: ما مدى أهمية الأفعال، أم الكلمات، أم كليهما؟

ويؤكد الخبراء أن شعور الطفل بالحب ينبع من أمور تتجاوز مجرد عبارة بسيطة.

وتقول الدكتورة باتريشيا بريتو، متخصصة علم النفس التربوي: «على الرغم من أهمية الكلمات في كثير من الأحيان، فإن الأمر الأهم هو أن يشعر الطفل بالأمان والتقدير والاستقرار العاطفي».

وتابعت: «لا ينبغي أن نستنتج أن الأطفال قد تعرَّضوا لأضرار نفسية لمجرد أنهم لا يسمعون تلك الكلمات؛ فقد يلمسون الحب بوضوح شديد من خلال الأفعال».

وتضيف الدكتورة بريتو أن المسألة الأهم بالنسبة لكثير من الأطفال تكمن في مدى شعورهم بأن المودة «يُعبَّر عنها باستمرار»، سواء كان ذلك عبر الكلمات أو الأفعال، أو - وهو الأفضل- من خلال الجمع بينهما.

وتوضح ذلك قائلة: «إذا قلت لطفل (أنا أحبك، أنا أحبك)، ولكنك لا تحضر أياً من مباريات كرة القدم أو العروض الخاصة به، فقد لا يشعر بالحب فعلياً؛ إذ قد يرى أنها مجرد كلمات جوفاء».

ويؤيد هذا الرأي الأب آرون ديل، مؤلف كتاب حول تربية الأبناء

إذ يقول: «الأمر لا يتعلق بالمفاضلة بين الكلمات والأفعال؛ فلا ينبغي أن تتنافس هذه العناصر مع بعضها، بل يجب أن تكمل بعضها بعضاً».

ويضيف: «الكلمات تُستخدَم لإيصال الرسالة، بينما تُعدُّ الأفعال بمثابة الدليل العملي عليها».

وأشار ديل إلى أن والده كان كثيراً ما يقول له «أنا أحبك» بعد أن يخذله، مما كان يقلل من قيمة تلك الكلمات ومعناها.

ومع ذلك، يرى بعض الآباء والأمهات أنه من الضروري للغاية أن يسمع الطفل عبارات تعبِّر عن حبهم له، فقد عبّر أب لطفلة تبلغ من العمر 7 سنوات عن استغرابه من تصريحات أوين، واصفاً إياها بأنها «فظيعة». وقال: «يجب عليك دائماً أن تخبر أطفالك بأنك تحبهم مهما حدث؛ سواء تصرفوا بشكل سيئ أو جيد».

وفي تعليق نُشر عبر الإنترنت رداً على مقطع الفيديو الخاص بأوين، كتب أب آخر: «يا أيها الآباء والأمهات - أو مَن يخططون للإنجاب - لا تستمعوا إلى هذا الرجل... أخبروا أطفالكم بأنكم تحبونهم كل يوم، حتى وإن كان ذلك يزعجهم».

ورغم أن تصريحات أوين قد أثارت ردود فعل قوية، فمن الواضح أن هناك طرقاً لا حصر لها يعبِّر بها الآباء عن حبهم لأبنائهم.

مايكل أوين نجم منتخب إنجلترا السابق (الشرق الأوسط)

وتؤكد الدكتورة بريتو أن الأهم من ذلك كله هو الحرص على أن يشعر الأبناء بالانتماء؛ إذ تتساءل: «هل يشعرون بأنهم محبوبون؟ وهل يشعرون بأنهم مرغوب فيهم؟».

وتضيف: «هل يشعرون بأنهم ذوو قيمة وأهمية، بدلاً من الاكتفاء بمجرد سماع الكلمات؟».

ولفتت «بي بي سي» إلى أن مهاجم إنجلترا السابق تحدث بمشاعر مؤثرة عن فقدان ابنه جيمس لبصره في عام 2024، قائلاً: «لو كان بإمكاني منحه عينيّ... لفعلت ذلك»، وعندما حثه مقدم البودكاست، لينغ، على توضيح سبب عدم إفصاحه بحرية عن عبارة «أنا أحبك»، أجاب أوين بأنه «يود لو كان ليناً بعض الشيء».

وقال: «أنا أصبح أكثر ليونة بالتأكيد، لكنني لم أصل بعد إلى درجة تسمح لي بقول شيء مثل هذا».

ويشير كل من ديل، والدكتورة بريتو، إلى أن استخدام كلمة «لين» (أو رقيق) لوصف التعبير للأطفال عن الحب يعكس مواقف راسخة لدى كثير من الآباء تجاه التربية.

ويقولان إن هذا الأمر ناتج عن سياقات مختلفة، مثل الثقافة، والطبقة الاجتماعية، والنوع الاجتماعي، والفجوة بين الأجيال.

ويقول ديل: «أعتقد أن هذا هو الجانب الخطير في الأمر؛ أي الاعتقاد السائد حول ما ينبغي على الرجال فعله، وما لا ينبغي عليهم فعله».

ويضيف أن كثيراً من الآباء يعتقدون أن دورهم يقتصر ببساطة على «توفير الاحتياجات المادية»، في حين أن بإمكانهم تقديم ما هو أكثر من ذلك بكثير.


145 مليار دولار ترسم خريطة العطاء السعودي حول العالم

عطاء سعودي بهوية محلَّية وأثر يتجاوز الحدود (واس)
عطاء سعودي بهوية محلَّية وأثر يتجاوز الحدود (واس)
TT

145 مليار دولار ترسم خريطة العطاء السعودي حول العالم

عطاء سعودي بهوية محلَّية وأثر يتجاوز الحدود (واس)
عطاء سعودي بهوية محلَّية وأثر يتجاوز الحدود (واس)

لم يكن البذل والعطاء في الثقافة السعودية يوماً موقفاً عابراً أو استجابة طارئة، وإنما هو امتداد لهوية وطنية جعلت من العطاء نهجاً مستداماً تخطَّى حدود الجغرافيا وعَبَرَ القارات، مادّاً يد العون لملايين المحتاجين في شتى بقاع الأرض، في مسيرة إنسانية جعلت كرامة الإنسان محورها الثابت وغايتها الأسمى.

وفي الوقت الذي يحتفي فيه العالم بـ«اليوم الدولي للعمل الخيري»، الذي يوافق الخامس من سبتمبر (أيلول) من كلِّ عام، تقف السعودية بتاريخها الإنساني المشرِّف أمةً جعلت من العطاء هوية، ومن الرحمة رسالة، ومن التكافل منهاجاً؛ إذ قدَّمت 9 آلاف و30 مشروعاً إنسانياً وتنموياً وخيرياً في 175 دولة، بقيمة تجاوزت 145 مليار دولار.

العطاء السعودي يصل إلى ملايين المحتاجين عبر قارات العالم (واس)

وأنشأت السعودية «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» في 13 مايو (أيار) 2015، بتوجيهات من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، ليكون الذراع الإنسانية للمملكة في الخارج، والجهة المخوَّلة بإيصال مساعداتها الدولية. وغدا المركز صوتاً للمكلومين، وأملاً للمحرومين، وجسراً تعبُر عليه قوافل الخير إلى كلِّ بقعة يشكو فيها إنسان، محقِّقاً منذ إنشائه 4 آلاف و457 مشروعاً إنسانياً وإغاثياً في 113 دولة، بقيمة تجاوزت 8 مليارات دولار.

ولأنَّ هذا العطاء السعودي الممتدَّ إلى جهات العالم الأربع كان بحاجة إلى منصة تنظِّم العطاء وتوجِّه الطاقات الخيِّرة نحو مستحقيها، جاءت «البوابة السعودية للتطوُّع الخارجي» التابعة لـ«مركز الملك سلمان للإغاثة»، لتربط المتطوِّعين بالمحتاجين، من خلال مشاركة 84 ألفاً و388 متطوِّعاً في 1446 برنامجاً طبياً وتدريبياً وغيرها من البرامج، استفاد منها مليونان و857 ألفاً و813 فرداً في 59 دولة، فضلاً عن إجراء 273 ألفاً و350 عملية جراحية.

قوافل الإغاثة السعودية تمدُّ يد العون إلى المحتاجين حول العالم (واس)

كما أشرف المركز على «البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة»؛ إذ درس 158 حالة، وأجرى 72 عملية ناجحة لتوائم ملتصقة من 28 دولة في 5 قارات حول العالم، ليكون من المبادرات الإنسانية النبيلة التي تقدِّمها المملكة. ويتحمَّل البرنامج جميع نفقات عمليات فصل التوائم وعلاجهم وتأهيلهم بعد الفصل، إلى جانب تكفُّله بمصاريف النقل واستضافة التوائم وذويهم داخل المملكة طوال فترة الرعاية الطبية، ليبقوا بالقرب من أبنائهم، ويبثَّ فيهم روح التفاؤل بمستقبل صحي مشرق لذريتهم، يزيح عن كاهلهم القلق والخوف.

ولإبراز جهود السعودية دولياً وحفظ حقوقها في العطاء، أسوة بالدول المانحة الكبرى، أُنشئت منصات مخصصة للتوثيق والتسجيل الدولي، مثل «منصة المساعدات السعودية» و«منصة المساعدات المقدَّمة للاجئين في المملكة». كما برزت منصة التبرُّع الإلكترونية «ساهم»، التي استطاعت جمع ما يزيد على مليار و701 مليون ريال، بمشاركة أكثر من 9 ملايين و829 ألف متبرع.

وحصدت السعودية، ممثَّلة بـ«مركز الملك سلمان للإغاثة»، سلسلة من الجوائز والتكريمات الدولية، منها «جائزة المؤسسات الصديقة للأسرة والطفولة» لعام 2024، تقديراً لجهوده في دعم الأطفال والأُسر الفلسطينية في ظروف الاحتلال، و«جائزة الإنجاز الإنساني العالمي» لإسهاماته البارزة في العمل الإغاثي والإنساني دولياً.

273 ألفاً و350 عملية جراحية ضمن برامج الإغاثة السعودية (واس)

واعتمدت الأمم المتحدة عام 2024 مبادرة المملكة بتخصيص يوم 24 نوفمبر (تشرين الثاني) يوماً عالمياً لـ«التوائم الملتصقة»، بهدف رفع مستوى الوعي حول هذه الحالات الإنسانية، والاحتفاء بالإنجازات في مجال عمليات فصل التوائم الملتصقة. كما حقَّقت المملكة المرتبة الثانية عالمياً والأولى عربياً بين الدول المانحة في تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية لعام 2025، وفق منصة التتبع المالي التابعة للأمم المتحدة (FTS).

ويأتي هذا الدور الإنساني البارز لـ«مركز الملك سلمان للإغاثة» متزامناً مع «اليوم العالمي للعمل الخيري»، ليؤكد أنَّ المملكة لا تكتفي بالاحتفاء بالمناسبة؛ بل تعكس معانيها واقعاً ملموساً، متَّخذة من رؤيتها الطموحة «2030» نبراساً يقود العمل الإنساني السعودي إلى معارج العلا، لتتجلَّى الإنسانية بأبهى صورها، سعودية الهوية، عالمية الأثر.