شوقي الريّس
صحافي وكاتب لبناني في صحيفة «الشرق الأوسط». عمل مراسلاً دولياً في أوروبا وأميركا اللاتينية لعدد من أبرز الصحف والمجلات العربية، بينها «المجلة» و«الحياة» و«النهار» و«المستقبل». يكتب أيضاً في صحيفتي El Paísالإسبانية وLa Repubblicaالإيطالية. يحمل إجازة في العلوم السياسية ودكتوراه دولة في العلاقات الدولية من جامعة مدريد، وعمل مترجماً شخصياً للعاهل الإسباني الملك خوان كارلوس الأول على مدى 16 عاماً. كما يدرّس مادة المنظمات الدولية في جامعة بيروت اليسوعية، وجامعة مدريد المستقلة، وجامعة جنيف.
TT

المقهى... سحر فيينا وسرُّ عراقتها بين رشفة وأخرى

استمع إلى المقالة

لا نعرف إنْ كانتْ تلك الأميرةُ التي نزلت من جبل الدُّروز السُّوري إلى أرض الكنانة، وسحرتِ البلاطَ الخديويَّ بشجنِ صوتِها وجمالِها الفتّان، قد زارت مدينةَ «ليالي الأنس» التي «نسيمُها من هواءِ الجنَّة»، كمَا خلّدتها في واحدةٍ من أشهر أغنياتها، وتذوَّقت نعيمَ المجالسةِ في المقاهي العريقةِ التي تعبقُ أجواؤُها بسحر التَّاريخ الذي جعلَ من العاصمةِ النَّمساويةِ مركزاً عالمياً للفنونِ والأدب والفلسفة... والموسيقى.

نعرف الدَّورَ الذي لعبته المقاهي كظاهرةٍ ثقافية في تشكيل معالمِ الهوية الاجتماعية للمدن الأوروبية طيلة قرون، عندمَا كانت ملتقى المفكرينَ والفنانين والروائيين والفلاسفة، يتحاورونَ ويتناقشون على مقاعدها، ويُحبِّرون مقاطع من روائع الأدب والشعر والموسيقى. لكنَّ المقاهي في فيينا كانت، ولا تزال، حالة فريدة من حيث الدور الذي لعبته كبوتقةٍ تفاعلت فيها التياراتُ الفكريةُ والفنيةُ والفلسفية في أجواء من الانفتاح النادر الذي أصبح صنواً لصورةِ المدينة التي قيل إنَّها بُنيت حول مقهى.

أدرجت منظمة «اليونيسكو» في عام 2001، مقاهيَ فيينا على لائحةِ التراث العالمي بعد أن مضت سنواتٌ طويلة على قرار الحكومة النمساوية اعتبارها إرثاً وطنياً ومنع تحويلها لأي نشاط آخر. وما زالت هذه المقاهي التي يعودُ معظمُها إلى مطالعِ القرن الثامنَ عشر، عندما كانتِ الإمبراطوريةُ النمساويةُ المجرية في أوج سيطرتِها على أوروبا، تحافظ على أثاثها الكلاسيكي وأجوائها الدافئة، يرتادها الناسُ لرشفِ القهوة أو تناول الطعام، أو مطالعة الصحفِ الورقيةِ التي توفرها إدارةُ المقهى يومياً، ويُمضُونَ فيها ساعاتٍ طويلةً في طمأنينة وانشراح.

عندما كانت فيينا مركزَ السلطةِ السياسية والثقافية في أوروبا، يتهافت الملوكُ على زيارتها لرسمِ الخرائط وإقامةِ التحالفات العسكرية، كانت المقاهي تجمع على مقاعدها بين الأساقفةِ وأصحاب المصارف، وبين الثوريين والبرجوازيين، ويتداول حول طاولاتِها الفلاسفةُ والأدباءُ وكبارُ الموسيقيين. هنا كانَ شوبرت يجالس بتهوفن، ويتناقش فرويد مع تروتسكي وهاديغر، ويبوح ستيفان زفايغ بأفكاره السوداء إلى صديقه ونديم هواجسه غوستاف كليمنت، وكانتِ المواهبُ الموسيقية الطالعة تحمل مؤلفاتها لعرضِها على «ملك الفالس» جوهان شتراوس، طمعاً في نصيحة أو موطئِ قدمٍ في عالم الفالس الساحرِ الذي كانَ يضبط إيقاعَ حياة الطبقة البرجوازية.

الزائرُ العارفُ لا يدخل هذه المقاهيَ لرشفِ القهوة أو الاستراحةِ من وتيرة الحياة اليومية الصاخبة، بقدر ما يذهبُ إليها ليترحَّل وراءَ عبقِ التاريخ، عندما كانَ التاريخُ تكتبه الفكرةُ واللوحةُ والنوتةُ الموسيقيةُ والقصيدة.