الأخطر من ارتكاب جريمة الدهس بقصد القتل في برلين، ليل السبت الماضي، يتمثّل في حقيقة أن بين جيل الشباب المسلم مَنْ لم يزل يعتقد أن الإقدام على قتل الآخر باسم الدين، فعلٌ صواب، وأن المُقدم على الفعل سوف يُثاب، فيَنْعم بمعاملة «الشهيد» يوم القيامة. وعلى المنوال الفاسد ذاته، كما حصل في إحدى ضواحي باريس أول من أمس، تُرتكب جرائم الطعن أيضاً من مُنطلق مُضلِّل، يدّعي أن إغماس سكين في جسد غير المسلم، وأحياناً المسلم نفسه، يُرضي خالق الناس أجمعين، وينسى أولئك المُضَلَّلون، أو يتناسون، بتأثير غسل أدمغتهم، أن الله اختار من كل أسمائه الحُسنى أن يَستهلّ المؤمنون به والمؤمنات صلواتهم الخمس باسمَين له؛ هما الرحمن الرحيم، فأنى، إذنْ، للقتل باسمه أن يرضيه؟
كلا، الأمر واضح كل الوضوح، ليس في القتل وفق الهوى وبسبب اختلاف المُعْتَقَد، أو الطائفة، مرضاة للخالق، ولا هو تطبيق للدين الذي أُنْزِل على أيٍّ من الأنبياء أجمعين. إنما، ألَم يُقل كلامٌ مثل هذا من قبل؟ بلى، قيل مراراً، وتكرر كثيراً، منذ ما قبل إرهاب الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) عام 2001، ومن بعده، ولذا جرى استهلال هذه المقالة باستغراب أن بيئة جيل الشباب في العالم الإسلامي، وفي مهاجر الاغتراب، لم تزل تشهد انتعاش منهج فكري يزيّن الإرهاب في العقول. يُثبت ذلك أن مرتكب جريمة برلين، وهو شاب في مقتبل العمر، مؤيد للتنظيم الإرهابي «داعش»، الذي يُعد الأخطر بين كل ما خرج من رحم الفكر المتطرف من تنظيمات.
هل من حلٍّ إذنْ؟ بالطبع، هناك أكثر من تصور وُضِع من قبل لكيفية التعامل مع التضليل الفكري، ومنع انطلاق خطاب الكراهية والتحريض على القتل من منابر الجوامع، أو فصول المدارس، وضمن هذا السياق جرى اقتراح حلول عدة، بعض منها لم يزل موضع تطبيق في كثير من دول العالم الإسلامي، ولذا حصل تراجع واضح للتمدد الإرهابي المتلفح بعباءة الإسلام في أكثر من مجتمع عربي. إنما مع الأخذ في الاعتبار أهمية ما تحقق في هذا المضمار، يبقى هناك تقصير، ولو أنه غير مقصود، على صعيد إهمال مبدأ أن التصدي للفكر المتطرف يجب أن يبدأ من داخل البيت. ولعل من المفيد الإقرار بواقع يقول إن بعضاً من أطفال المسلمين تجري تربيتهم وفق مفاهيم خاطئة تُصَوِّر لهم أن كل مَنْ ليس مسلماً، وكل ما ليس إسلامياً، يحمل شُبهة نَجَس، ولذا يحصل التوجُّس، الذي يغرِس بذور الكراهية ضد الآخر في العقل البريء.
ما تقدم يجب ألا يعني إغفال حقيقة أن الفكر المتطرف شرٌّ ليس يقتصر على المسلمين وحدهم. كلا، معروف أن غلاة اليهود، أمثال سموتريتش، وبن غفير، وغيرهما من أتباع الحاخام عوفاديا يوسف، الذي وصف العرب بأنهم «صراصير» يعدون غير اليهود من «الأغيار»، ويبيحون إبادتهم، ولذا شهد قطاع غزة، ولا يزال، فظائع لم تحصل من قبل، وتشهد الضفة الغربية تصعيداً في هجمات المستوطنين بدعم من قوات الاحتلال. لكن دوام الحال مِن المُحال، مهما طال الزمان.
