د. عبد الله الردادي
يحمل الردادي شهادة الدكتوراه في الإدارة المالية من بريطانيا، كاتب أسبوعي في الصفحة الاقتصادية في صحيفة الشرق الأوسط منذ عام ٢٠١٧، عمل في القطاعين الحكومي والخاص، وحضر ضيفا في عدد من الندوات الثقافية والمقابلات التلفزيونية
TT

من يستفيد من الأزمات؟

استمع إلى المقالة

أصبحت الأزمات جزءاً من الواقع الاقتصادي، فخلال 6 سنوات شهد العالم أحداثاً ذات عواقب مشتركة بشكل لم يحدث منذ الحرب العالمية الثانية، وبالتحديد: الجائحة، والحرب الروسية الأوكرانية، والحرب بين إيران وأميركا وإسرائيل، فأدرك العالم أن هذه المخاطر لم تعد مجرد ظرف خارجي يضغط على الاقتصاد، بل أصبحت هي نفسها قطاعاً اقتصادياً، وهو ما يوضح أن هذه الأزمات، من الناحية الاقتصادية المجرّدة، ليست شراً محضاً، بل عامل تغيير في الأسواق، على الرغم من أن هذه الأزمات وبشكل متوالٍ ضربت أهم 3 قطاعات في العالم، الصحة في أزمة الجائحة، والغذاء في الحرب الروسية الأوكرانية، والطاقة في الأزمة الحالية، في هذه الأزمات الثلاث هناك من يدفع الثمن، وهناك من يبيع الحماية من هذا الثمن.

أول القطاعات المستفيدة من الأزمات هو قطاع الدفاع، فبعد حرب أوكرانيا، خلعت العديد من الدول ثوب السِّلم، ورفعت إنفاقها العسكري، محوّلةً الدفاع من ملف سياسي حساس إلى قطاعٍ تنموي، وتشير دراسات معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن الإنفاق العسكري العالمي بلغ نحو 2.7 تريليون دولار في 2024، بزيادة تزيد على 9 في المائة، وهي أكبر زيادة سنوية منذ الحرب الباردة، وارتفع في العام التالي إلى نحو 2.9 تريليون دولار، وقد ربطت شركات دفاعية مثل «BEA system» نموها بارتفاع الطلب الدفاعي، وقد ارتفع سهم الشركة من نحو 500 دولار بداية عام 2022، إلى أكثر من 2000 دولار في نهاية الربع الأول من هذا العام.

القطاع الثاني المستفيد هو التأمين، وقد ذاعت أخبار هذا القطاع في الحرب الحالية، وارتفعت تكلفة التأمين ضد مخاطر الحرب للسفن المتجهة لإسرائيل، وذكرت «رويترز» أن الأسعار ارتفع إلى نحو 1 في المائة من قيمة السفينة لرحلة لا تتعدى مدتها 7 أيام، مقابل أقل من 0.2 في المائة قبل الحرب، وفي هرمز ارتفعت أسعار التأمين إلى نحو 0.5 في المائة بعد أن كانت أقل من نصف هذا المبلغ.

أما قطاع الشركات الاستشارية، فقد يكون الرابح الأكبر في فترة الجائحة، حينها لم تكن الحكومات تبحث عن نصائح تقليدية عن النمو، بل عن إجابات سريعة مثل، كيف يمكن للموظفين العمل عن بُعد؟ كيف يُدعم القطاع الخاص؟ كيف تؤمن اللقاحات؟ كيف يعاد فتح الاقتصاد؟ بالطبع كانت تلك فترة انتعشت فيها الشركات الاستشارية قبل أن تتعرض لصدمة طفيفة، ولكن الطلب عاد مرة أخرى، ففي أستراليا على سبيل المثال، ارتفع دخل شركة «بي سي جي» من الحكومة بنحو 120 في المائة، وفي بريطانيا بلغ إنفاق الحكومة 3.4 مليار جنيه إسترليني في عام 2023، بزيادة 62 في المائة على عام 2019، وقد ارتفعت إيرادات شركة «ماكينزي» بأكثر من 75 في المائة في عام ما بعد الجائحة.

أما الطاقة، فحدث ولا حرج، فرغم أن القطاع تأثر بشدة أيام الجائحة بسبب ضعف الأنشطة الاقتصادية، فإنه عاد مرة أخرى ليكون أول موضوعات الحرب الروسية الأوكرانية بعد تهديد روسيا بإيقاف تدفق الغاز منها لأوروبا، وازدهرت صناعة الغاز المسال في الولايات المتحدة بسبب تصديره للقارة العجوز، كيف لا وقد زادت الجدوى الاقتصادية لتصديره؟ وقطاع الطاقة اليوم هو الأكثر تأثراً بسبب إغلاق مضيق هرمز، ولكن لا يعني ذلك أنه يخلو من المستفيدين، فشركات النفط والغاز من خارج المنطقة ستحقق عوائد استثنائية في الربع الأول بسبب ارتفاع الأسعار، ودون تحمل أي تكلفة مخاطر كما هو الحال في شركات النفط الخليجية.

وأخيراً سلاسل الإمداد، والتي تذكر عند أي أزمة، سواء الثلاث المذكورة أو غيرها مثل الخلافات التجارية أو الجمركية، وقد صنعت الأزمات حول سلاسل الإمداد أسواقاً مكتملة، فلم تعد أسئلة الشركات تنحصر حول المصنع الأرخص أو الأجود، بل أصبحت هناك أسئلة أخرى مثل، ما هو المصنع الأقل تأثراً بالأزمات؟ من المورد البديل؟ أين المخزون الاحتياطي؟ كيف تُراقب الشحنات؟ كيف يوزع الإنتاج بين أكثر من دولة؟ ونتيجة هذه الأسئلة المطروحة، فقد ازدهرت في السنوات الأخيرة خدمات التتبع، والتخزين، والموانئ البديلة، والسيناريوهات الجيوسياسية، والاستشارات اللوجستية، بل انتشر مصطلح «تكلفة المرونة»، كما انتشر سابقاً مصطلح «خفض التكلفة».

وقد وُصف هذا التحول بأنه انتقال إلى عقلية تجارية توازن بين الكفاءة والقدرة على الصمود والاضطراب، وهو ما أشير إليه في بداية المقال، بأن الأزمات أصبحت واقعاً اقتصادياً، ولم يكن ذلك سهلاً على شركاتٍ هدفت لخفض التكلفة لعقود طويلة، وما أقنعهم بهذا المبدأ، هي آلاف الشركات التي خرجت من السوق بسبب ضعف مرونتها، وبسبب نماذج أعمال افترضت أن الاقتصاد يسير بشكل سلس دون أزمات، فلم يصبح لها مكان في سوق أصبحت الأزمات جزءاً منها.