أثارت الورقة المطوَّلة التي نشرها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، عاصفة سياسية داخل حزب العمال الحاكم.
وكعادتهم اختار معلِّقو وساسة وستمنستر، السؤال الأسهل: هل انتقاد بلير لكير ستارمر يمهد الطريق لخليفة محتمل؟ أو يدعم جناحاً ضد آخر داخل الحزب؟
لكنَّ هذه القراءة يفوتها جوهر رسالة بلير.
فالرجل الذي قاد حزب العمال إلى أكبر انتصار انتخابي في تاريخه الحديث عام 1997، لا يبدو منشغلاً بمن يخلف ستارمر بقدر انشغاله بسؤال أكثر أهمية: ما المشروع السياسي الذي يريد حزب العمال أن يحكم بريطانيا على أساسه؟ وهنا تكمن المفارقة؛ فعندما وصل بلير إلى السلطة عام 1997 لم يكن الناخبون ينتخبون شخصاً فحسب، بل مشروعاً سياسياً متكاملاً عُرف بـ«العمال الجديد».
أمضى الحزب سنوات طويلة في إعداده وصياغته وتسويقه للناخبين. كان هناك تصور واضح للاقتصاد، والخدمات العامة، والعلاقة مع قطاع الأعمال، وإصلاح مؤسسات الدولة. اختلف الناس معه أو اتفقوا، لكنهم كانوا يعرفون ما الذي يمثله. أما في انتخابات 2024، فقد بدا المشهد مختلفاً.
لا شك أن حزب العمال فاز بعد سنوات طويلة في المعارضة، لكن أغلبية الناخبين كانوا يصوِّتون للتخلص من حكومة المحافظين بعد أربعة عشر عاماً من الحكم.
كان السؤال المطروح أمام الناخبين: هل تريدون استمرار المحافظين؟ أكثر مما كان: هل تؤيدون مشروعاً عمالياً جديداً ومحدداً؟
ومن هنا تأتي ملاحظة بلير المؤلمة لحزبه.
فالحزب، في رأيه، أمضى سنوات المعارضة يناقش الأشخاص أكثر مما ناقش الأفكار؛ ويتجادل حول الاتجاهات والتيارات أكثر مما اجتهد في بناء مشروع متكامل للحكم. تنقَّل من اليسار الراديكالي في عهد جيريمي كوربن، إلى الوسط مع ستارمر، لكنه لم يُنتج حتى الآن ما يعادل المشروع الذي سبق وصول بلير إلى السلطة في التسعينات. ولهذا يرفض بلير اختزال الأزمة الحالية في معركة زعامة.
ففي نظره، لا معنى كبيراً للسؤال: هل يحل وزير الصحة السابق ويز ستريتنغ محل ستارمر؟ أو هل يعود عمدة مانشستر آندي بيرنهام إلى وستمنستر؟ أو هل تبرز شخصية أخرى من داخل الحزب؟ السؤال الأهم هو: ما البرنامج الذي سيحمله أي زعيم جديد؟ ومن هنا جاءت أهمية القضايا التي ركزت عليها دراسة بلير.
فهو يدعو إلى نقاش جدي حول النمو الاقتصادي، والطاقة، والهجرة، والذكاء الاصطناعي، ومستقبل العلاقة مع أوروبا. كما أنه يدعو إلى مراجعة بعض المسلمات التي أصبحت أقرب إلى العقائد السياسية داخل أجزاء من الحزب.
فبلير، الذي كان من أبرز المدافعين عن بقاء بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي، لا يدعو اليوم إلى إعادة فتح جدل «بريكست». كما أنه يوجه انتقادات إلى معظم سياسات «صفر الانبعاثات» إذا جاءت على حساب النمو الاقتصادي وأمن الطاقة.
وهو يدعو أيضاً إلى الاستعداد الجدي لثورة الذكاء الاصطناعي التي يراها أكبر تحول اقتصادي منذ الثورة الصناعية.
هذه المواقف أثارت غضب قطاعات من اليسار العمالي، الذي لا يزال ينظر إلى بلير من خلال إرث حرب العراق. وهي انتقادات مفهومة، لأن حرب العراق ستبقى جزءاً من إرثه السياسي. لكن اللافت أن كثيراً من ردود الفعل انشغلت بمهاجمة بلير نفسه أكثر من مناقشة السؤال الذي طرحه.
وربما كانت أهم رسالة في ورقة بلير هي تحذيره من تحويل السياسة إلى مجرد رد فعل على الخصوم.
فكما أن «إسقاط المحافظين» لم يكن مشروعاً للحكم في حد ذاته، فإن «وقف نايجل فاراج» ليس مشروعاً سياسياً أيضاً.
وهنا يلمس بلير نقطة حساسة داخل حزب العمال. فالصعود السريع لحزب «ريفورم» (الإصلاح) بقيادة فاراج، أثار حالة من القلق داخل الحزب الحاكم.
وأصبح جزءاً من النقاش السياسي يدور حول كيفية منع فاراج من الوصول إلى السلطة، أو من توسيع نفوذه الانتخابي. لكنَّ بلير يُحذر ضمناً من هذا المنطق.
فالأحزاب لا تفوز على المدى الطويل لأنها تخيف الناخبين من خصومها، بل عندما تُقنعهم بمشروعها هي. والناخب الذي صوَّت ضد المحافظين بالأمس قد لا يصوِّت تلقائياً ضد فاراج غداً، إذا لم يجد أمامه برنامجاً واضحاً يعالج قضايا المعيشة والطاقة والنمو وفرص العمل.
لذلك فالسؤال الحقيقي الذي يطرحه بلير لا يتعلق باسم الزعيم المقبل، بل بطبيعة المشروع الذي سيقود حملة تقديمة للناخبين في 2029.
فالأحزاب تستطيع تغيير الزعماء بسهولة. أما بناء مشروع سياسي قادر على إقناع الناخبين والاحتفاظ بثقتهم، فمسألة أصعب بكثير.
ولهذا لا يُحذر بلير من نايجل فاراج، بقدر ما يُحذر من أن يصبح نايجل فاراج نفسه هو البرنامج السياسي لحزب العمال.
