سوف ترى وأنت تتطلع إلى قطاع غزة على الخريطة، ثم وأنت تتابع أخباره البائسة في وسائل الإعلام، أنه بات يمثل حاجة عملية لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في واشنطن، وأيضاً لحكومة التطرف الإسرائيلية في تل أبيب.
ولكن المفارقة أن الحاجة التي يمثلها القطاع لإدارة ترمب تقف على النقيض من الحاجة التي يمثلها القطاع نفسه لحكومة نتنياهو ورفاق التطرف في حكومته.
الرئيس ترمب مقبل على انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وهو يريد السلام في غزة من خلال خطته المطروحة عبر مجلس السلام الذي يرأسه، وهو إذن أراد الانتقال في الخطة من مرحلتها الأولى إلى الثانية، لأجل أن يبيع ذلك للناخب الذي سينتظر حزبه الجمهوري على أبواب الاقتراع حين يأتي أوان السباق النصفي. ولهذا السبب أرسل مستشاره وصهره جاريد كوشنر يدعو رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى عدم وضع العراقيل في طريق الخطة، أو في طريق انتقالها المنتظر من مرحلة إلى مرحلة تالية.
وسوف تضحك بينك وبين نفسك وأنت تقرأ أن هذا ما جاء كوشنر يطلبه من رئيس الحكومة في إسرائيل. فالرئيس، وصهره ومستشاره، وأعضاء إدارته جميعاً، يعرفون أن نتنياهو لم يدخر أي جهد في سبيل نسف الخطة، وليس في سبيل وضع العراقيل في طريقها فقط، ويعرفون أنه إذا جاز له أن يتوقف عن نسفها، أو عن وضع العراقيل في طريقها، فليس الآن على الأقل، وبالأدق ليس في الفترة من هنا إلى يوم 27 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل الذي سينطلق فيه سباق انتخابي إسرائيلي، يتوازى مع السباق النصفي في الولايات المتحدة، أو على وجه الدقة يسبقه بقليل.
وهنا نجد أنفسنا أمام الحاجة النقيضة التي يمثلها القطاع بالنسبة للحكومة الإسرائيلية، التي يريد رئيس الحكومة بدوره أن يبيعها لناخبيه عندما يأتي موعد سباق الكنيست!
وترمب يريد أن يبيع لناخبيه السلام الذي تحقق على يديه في القطاع بعد حرب دامت عامين كاملين متصلين، ثم دامت عاماً ثالثاً أو ما يقرب من العام، ولكن بشكل متقطع، وبطريقة تبدو وكأنها خفية عن عالم بأسره لا يريد أن يراها.
يريد ترمب أن يبيع السلام في القطاع للناخبين في بلاده، ويراهن على أن ذلك يمكن أن يُحسن من حظوظ حزبه الجمهوري في مواجهة الحزب الديمقراطي، ولكن رئيس الحكومة الإسرائيلية لا يبالي بذلك، ولا يكاد يضع له اعتباره المفترض، لأنه يريد أن يبيع الحرب لا السلام لناخبيه، ولهذا، فإنه لم يجد حرجاً في أن يصارح المستشار جاريد بأن إحراز تقدم في خطة السلام الآن يمثل إشكالية بسبب انتخابات الكنيست!
وبالعربي الفصيح أراد أن يقول له إن إحراز تقدم معناه سقوطه في السباق، وهذه هي الإشكالية التي لا يجد لها حلاً سوى أن يواصل الحرب والضرب!
وتكاد تشم رائحة صفقة يرغب فيها نتنياهو مع ترمب، وتراه يكاد ينطق بها في حديثه مع جاريد، وليست الصفقة سوى أن يعلن ترمب دعمه في سباق الكنيست، فيتوقف هو من ناحيته عن وضع العراقيل في طريق الخطة، أو يحاول ذلك من حيث الشكل أمام العالم في أقل القليل.
ولكن الرئيس ترمب يعرف من جانبه أن دعماً من نوع ما يطلبه نتنياهو ليس سهلاً، وأنه دعم محفوف بالمخاطر الكثيرة، وهي مخاطر تبدأ من الشك في قدرة نتنياهو على أن يجتاز السباق الانتخابي هذه المرة، وتنتهي بأن ساكن البيت الأبيض سبق له أن تدخل لدعم رئيس الحكومة الإسرائيلية داخلياً، فأصابه من جراء تدخله ما كان هو في غنى عنه تماماً.
سبق لترمب أن دعا الرئيس الإسرائيلي إلى العفو عن رئيس حكومته في أربع قضايا جنائية يقف فيها أمام القضاء الإسرائيلي، فلم يلتفت الرئيس الإسرائيلي إلى وساطة ترمب، وأشار بإدخال طلب العفو إلى ثلاجة مكتبه، فضلاً عن أن إسرائيليين كثيرين ضجوا من تدخل الرئيس الأميركي ولفتوا انتباهه إلى أن ما يتكلم فيه شأن إسرائيلي داخلي وأن عليه ألا ينسى ذلك!
مؤلم أن يتحول القطاع إلى سلعة معروضة في مزاد انتخابي منصوب، والمؤلم أكثر أن يكون المزاد مزادين في عاصمتين، ولكن ما يخفف من الألم قليلاً أن ثماني دول عربية وإسلامية رفضت ذلك وأعلنته في بيان جامع، ويبقى أن يتواصل العمل العربي والإسلامي في الاتجاه ذاته، وأن يكون باللسان الجامع نفسه الذي صدر به بيان الدول الثماني.
