د. ياسر عبد العزيز
كاتب مصري وخبير في مجال الإعلام والاتصال. مدير مكتب«الشرق الأوسط»في القاهرة. عضو مجلس الشيوخ. عمل مستشاراً ومدرباً مع عشرات المؤسسات الإقليمية والدولية.
TT

حان الوقت لإطلاق منصة «تواصل اجتماعي» عربية

استمع إلى المقالة

في زمن باتت فيه المعلومات سلاحاً استراتيجياً لا يقلُّ فتكاً عن الجيوش والأساطيل، وصارت فيه الخوارزمية قوةً تُشكِّل الرأي العام، وتُعيد رسم خرائط الوعي الجمعي، يقف العالم أمام مفارقة صارخة: دول تمتلك تاريخاً عريقاً وثقلاً حضارياً وكتلاً بشرية هائلة، تجد نفسها رهينة منصات لا تعرف لغتها، ولا تحترم خصوصيتها، ولا تكترث بأمنها؛ بل لا تخضع لقانون من قوانينها. هذه ليست مبالغة في توصيف الأزمة؛ بل هي جوهرها الصارخ.

منذ سنوات والعالم يشهد على نحو متصاعد كيف تتحوَّل منصات «التواصل الاجتماعي» الكبرى، المملوكة في معظمها لشركات أميركية، إلى فضاءات مفتوحة على التلاعب والتضليل، وخطاب الكراهية، وانتهاك الخصوصية، والتوظيف السياسي المُغرض.

أدركت قوى كثيرة في العالم هذه الحقيقة المُرَّة، وإن تفاوتت في طرق مواجهتها. روسيا سلكت طريق بناء بنية رقمية موازية محكمة الإغلاق، قائمة على منطق السيادة المطلقة التي لا تتورَّع أحياناً عن التحول إلى رقابة شاملة على المواطن نفسه. والصين أقامت ما يشبه «الإنترنت» الموازي بجدار ناري عملاق، وأنتجت منصاتها الخاصة التي تتصدَّر مشهد التقنية العالمي بأرقام مذهلة، غير أنها تبقى مرآة تعكس سلطة الدولة قبل أن تعكس إرادة المستخدم.

أما الاتحاد الأوروبي فقد اختار مساراً مختلفاً جوهرياً؛ مسار التنظيم القانوني الصارم، عبر «قانون الخدمات الرقمية»، وصولاً إلى الإعلان عن إطلاق منصة «تواصل اجتماعي» أوروبية (دبليو سوشيال)، تحاول أن تجمع بين السيادة الرقمية والانفتاح والشفافية وحماية حقوق المستخدمين. وهذه الخطوة الأوروبية لم تنبثق من فراغ؛ بل جاءت استجابة لإدراك متأخر لكنه حاسم؛ ومفاده أن التبعية الرقمية الكاملة ثمنها خسارة مُركَّبة تطول الرأي العام والأمن القومي والهوية الثقافية والاقتصاد معاً.

أمام هذا المشهد المتحوِّل، يقف العالم العربي في موقع بالغ الهشاشة. مئات الملايين من المستخدمين يعيشون يومهم الرقمي كاملاً على منصات لا تعبأ بلغتهم إلا بما يكفي لاستيعاب إعلاناتهم، ولا تفهم سياقهم الثقافي إلا حين يتعلق الأمر باستهداف اهتماماتهم الاستهلاكية. وفي المقابل، تتدفق بياناتهم الشخصية إلى خوادم بعيدة دون رقابة ودون ضمانات، بينما تعمل خوارزميات مصممة في بيئات ثقافية مغايرة على تشكيل ما يرونه وما يغيب عنهم، وما يشعرون بالغضب تجاهه، وما يمر دون أن يلفت انتباههم. هذا ليس تشكيكاً في نوايا؛ بل هو وصف لبنية تُولِّد فيها السوق واجهتها الخاصة بمعزل عن أي اعتبار للهوية أو السيادة أو الكرامة الجماعية.

الحاجة إلى منصة «تواصل اجتماعي» عربية حقيقية ليست ترفاً ثقافياً ولا «نوستالجيا هوياتية»؛ بل هي ضرورة استراتيجية تتقاطع فيها أبعاد متعددة لا يمكن فصل بعضها عن بعض. فثمة البعد الثقافي الذي يقتضي فضاءً رقمياً يستوعب الثقافة العربية بتنوعها وعمقها. وهناك البعد الاجتماعي الذي يتطلب منصة تفهم الخصوصية الاجتماعية وتحترم تعقيداتها. وأيضاً البعد الأمني الذي يعني تحديداً أن تكون بيانات مئات الملايين من المواطنين العرب محمية داخل منظومة قانونية وتقنية تخضع لإشراف إقليمي لا لإرادة شركة أميركية. وثمة أخيراً البعد الاقتصادي؛ إذ إن الاقتصاد الرقمي المتنامي يعني في جزء كبير منه تدفق ثروات هائلة إلى خارج المنطقة، في مقابل «خدمات مجانية» يدفع ثمنها المستخدم من خصوصيته، ووعيه، وانتباهه.

بيد أن طرح فكرة المنصة العربية دون الاكتراث بدروس الفشل والاستبداد الرقمي هو مغامرة لا تقل خطورة عن التبعية القائمة. إن المنصة التي تُبنى لتكون أداة في يد السلطة، وتستخدم بيانات مستخدميها لأغراض أمنية، وتفرض سقفاً مُتعسفاً على النقاش، وتُطوِّع الخوارزمية لأجندات سياسية، ستُولَد ميتة حتى قبل أن تُطلَق.

المستخدم العربي الذي عاش سنوات يرى الرقابة وضيق هامش الحرية لن يهجر «إكس» و«فيسبوك» و«إنستغرام» إلى منصة تُعيد إنتاج منطق التضييق في ثوب رقمي جديد. الثقة شرطٌ وجوديٌّ لا يمكن الالتفاف عليه. والجدوى والنجاعة العملية ضرورتان؛ لأن بعض المحاولات العربية الخجولة لولوج هذا العالم كانت محدودة التأثير والتمويل والانتشار، وغير قادرة على المنافسة.

المنصة العربية التي يستحقها هذا الجمهور الواسع، هي تلك التي تجعل من حماية بيانات المستخدم مبدأً قانونياً راسخاً؛ لا وعداً دعائياً، وتُخضع خوارزمياتها للشفافية والمساءلة، وتحارب التزييف العميق وتوظيف «البوتات» و«الذكاء الاصطناعي» في التضليل، وتحمي المستخدم من الفقاعات المعلوماتية التي تُشدِّد تطرفه وتُضيِّق أفقه. منصة تُدار بحوكمة مستقلة حقيقية، لا بإملاءات حكومية، ولا بمصالح رأسمالية ضيقة، وتعتمد معايير واضحة ومتسقة وخاضعة للمراجعة.

المشروع الأوروبي -رغم ما يكتنفه من تحديات- يحمل في جوهره رسالة جديرة بالتأمل؛ فالسيادة الرقمية ممكنة دون أن تكون استبداداً، والانفتاح قابل للتحقق دون أن يكون تبعية. العالم العربي أمام فرصة تاريخية نادرة لبناء فضائه الرقمي السيادي. الوقت لا يتسع لمزيد من التردد، والتكلفة المتراكمة للغياب الرقمي باتت أعلى بكثير من تكلفة الشروع الجاد في البناء.