أحمد محمود عجاج
TT

لا خيار لإيران إلا الدولة الطبيعية

استمع إلى المقالة

للرئيس ترمب تعاملٌ مختلفٌ في التعاطي مع إيران، لأنَّ رؤيته للنزاع مغايرةٌ للذين سبقوه من الرؤساءِ الأميركيين، الذين اعتبروا أنَّ الضغوطَ الاقتصادية والمفاوضات، كفيلةٌ بإجبار إيران على التراجع عن برنامجها النووي، ودعمها للميليشيات؛ خلاف ذلك، يرى الرئيس ترمب أنَّه لا ينفع مع إيران إلا الضغط مصحوباً بالقوة. واعتبر ترمب الرئيسَ الأسبقَ كارتر ضعيفاً، لأنَّه أظهر أميركا ذليلةً في أزمة الرهائن. لم تتبدل قناعتُه، وطبَّقها في يونيو (حزيران) الماضي، بتدميره مفاعلاتِ إيران النووية، ثم كرَّر قصفها في 28 فبراير (شباط) 2026، تطبيقاً لمبدأ: التفاوض عبرَ القوة. اعتمدت إيرانُ في المقابل سياسة «امتصاص الضَّربات»، وأتبعتها باستراتيجية ضربِ منشآت جيرانها في الخليج، ومنع الملاحة في مضيق هرمز، وتوسيع الاشتباك مع إسرائيلَ بالصواريخ الباليستية، وعبر حلفائها كـ«حزب الله» والحوثي وميليشيات عراقية. واجه ترمب في تطبيق نظريته «التفاوضَ عبر القوة» مواجهة إيرانية بهدف إسقاط نظريته، وجره لطاولة التفاوض وعلى قدم المساواة. وعقدت مفاوضاتٌ في باكستان، بدعم أوروبي، وصيني، للتوصل إلى حلول وسطية، أتقنتها إيران، عبر عقود طويلة، مع الأميركان والأوروبيين والصينيين والروس.

افترضت إيران أن مجيء نائب الرئيس الأميركي دلالة على نجاح معادلتها التفاوضية، وأنه بوسعها التوصل إلى معادلة تخرج منها منتصرة دبلوماسياً؛ لكنها اصطدمت بمبدأ القوة عند ترمب، وقناعته بأنه المنتصر عسكرياً، ولا يحق بالتالي لإيران أن تفرض شروطاً؛ مع ذلك اشترطت إيران، لنجاح التفاوض، ثلاثة مطالب: وقف حرب إسرائيل ضد «حزب الله»، وسيادتها على مضيق هرمز، ومواصلتها التخصيب السلمي. لكن المفاوض الأميركي تجاهل هذه المطالب، واعتبرها ليست محورية، مشترطاً قبول إيرانَ بالتزامات تضمن عدم سعيها لامتلاك السلاح النووي، وكذلك التوقف عن السعي لأدوات تمكنها بسرعة من حيازة السلاح النووي. واعتقد الوفد الإيراني، من باب المراوغة، أنه يمكنه إطالة المفاوضات، وتشعيبها، لكن نائب الرئيس الأميركي فانس كان حازماً، بقوله إن على إيران قبول العرض الأميركي، وإلا ستصبح المفاوضات عديمة الجدوى. وبينما توقع المسؤولون الباكستانيون والإيرانيون متابعة التفاوض في اليوم الثاني (الأحد)، غادر الوفد الأميركي صباحاً باكستان. وبينما كان الوفدان يتفاوضان كانت قطع حربية أميركية تعبر مضيق هرمز وتزيل الألغام، وكان ترمب يؤكد بذلك أن المفاوضات لا تهمه، وسيان عنده التوصل إلى اتفاق أم لم يتوصل. هذا الموقف أكد تمسك ترمب بمبدأ القوة، ومن خلاله تقلّص خيار إيران في التفاوض إلى الحد الأدنى: الاستمرار في مبدأ امتصاص الضربات مهما كانت موجعة.

السؤال الآن: ما الخيارات المتاحة لإيران؟ ثمة ثلاثة خيارات: العودة للتفاوض، أو الحرب الشاملة، أو الحصار البحري. أولاً، الخيار بالعودة للتفاوض مرهون بقبول إيران شرط التخلي نهائياً عن النووي، مع نظام مراقبة صارم؛ هذا القبول الإيراني سيفتح المجال لمفاوضات لا تملك فيها إيرانُ أوراقاً مهمة، وسينتهي بها المطاف أن تكون «دولة طبيعية» وليس «ثورة». ثانياً، خيار الحرب سيكون خطراً على النظام، لأنه سيكون هو المستهدف، وبميزان القوى لن تكون إيران قادرة على الانتصار. ثالثاً، خيار الحصار البحري، ومعادلته كالتالي: لا نفط للخارج ولا نفط لإيران. هذا الحصار سيحرم إيرانَ من ورقة هرمز، ومن تصدير نفطها، وستضطر للتصعيد لتدخل خيار الحرب الكارثي.

معضلة المواجهة مع إيران أن تبعاتِها لا تتوقّف عند حدودها؛ بل تتعداها إلى دول الجوار والخارج. فالجوار الخليجي أثبت قدرته على صد اعتداءات طهران، وبوسعه أن يجد بدائل عملية للمضيق. فالخليج العربي قادر بالتعاون مع دوله ومع عمقه الجغرافي العربي، أن يُصدر كميات كبيرة من نفطه، ويستمر في الحياة، والاستعداد لأي ظرف. أما الخارج وبالذات الآسيوي، فلن يكون أمامه سوى أمرين: أولاً، الاعتماد أكثر على النفط من روسيا والقارة الأميركية الشمالية والجنوبية، وما يصل إليه عبر موانئ ممر البحر الأحمر. ثانياً، أن يتكاتف (بالذات الأوروبي وبعض دول آسيا) ويضغط من أجل فتح مضيق هرمز بأي وسيلة.

ثبَّت ترمب في المواجهة مبدأ القوة، وتمسكت إيران بمبدأ المواجهة، لكن الفارق أن إيران، خلافاً لتجاربها الماضية، تجد رئيساً أميركياً لا يتهيَّب المواجهة معها، وإبقاءها معزولة عن العالم. ففي الحرب الدائرة انتقلت المبادرة على أرض الواقع منها إلى يد ترمب، وأصبح الأقدر على وقف الهجمات أو تصعيدها، والدعوة للتفاوض ثم الانقلاب عليه، وكذلك اتهامه إيران بتخريب الاقتصاد العالمي. بهذا التبدل القائم لا خيار لإيران سوى أن تتنازل عن نظريتها، وتعيش بوصفها دولة طبيعية في سلام وتعاون مع جيرانها.