تقول العرب إن الكسل «تَّثاقُلُ عَمَّا لا ينبَغي أن يُتَثاقَلَ عنه». وفُلانٌ لا تُكسِلُه المَكاسِلُ، وامرأةٌ مِكسالٌ، وهي التي لا تَكادُ تَبرَحُ مَجلِسَها. ويقول الروس: «الكلب الكسول تأكله البراغيث». غير أن الكسل حالة نفسية واجتماعية أعمق بكثير مما تصوره لنا أدبيات الشعوب.
فالكسل هو فتور قد يأتي بعد جهد جهيد، وهو أمر بديهي. فبعض الكسل يتسلل إلى المهن الروتينية الخالية من التحديات. ولذلك لا يترك المسؤولون العاملين من دون تحديات جديدة حتى «لا تتجمد عقولهم». وهناك منظمات تميل نحو «التدوير الإداري» ليس عقوبة، ولكن لغرض تحريك سواكن العبقرية والهمة والنشاط.
دواعي الكسل خارجية أحياناً. فهناك مثل هندي يقول: «ستشعر بالتعب وعدم القدرة على المشي عندما تشاهد حصاناً»، وهي إشارة لطيفة إلى أنك كنت على ما يرام في مسيرك حتى شاهدت حصاناً (أو سيارة) يمكن أن يأخذك إلى وجهتك بأقل جهد ممكن.
لا يُعد الكسل مجرد ضعف - أحياناً - ولكنه حكم اجتماعي يتعمد البعض إطلاقه على آخرين للتقليل من شأنهم. «فلان كسول» حتى يظفر هو بالمهمة. والكسل ليس دائماً غياباً للرغبة، بل منه ما هو إعادة تقييم لقيمة الجهد.
ومن الكسل ما هو وبال على صاحبه. ولذلك نسمع دعاءً نبوياً شهيراً يدعونا إلى ترديد: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل». فمن الناس من يتحلى بقدرات فذة، لكنه يتراخى عن الأخذ بزمام المبادرة. الكسل لجام يكبح جماح الموهوبين.
وهناك علاقة عكسية بين الضمير والكسل. ذلك أن وخز الضمير يؤرق صاحبه حتى لا يؤجل عمل اليوم إلى الغد، ناهيك عن أن يضرب بمصالح الناس عُرض الحائط.
في تكنيكات القيادة نوظف الكسل لخدمة أهدافنا. ولذلك نقول على سبيل الدعابة، إذا أردت أن تنجز شيئاً بأقصر الطرق ففوضه لكسول. وقد أطلق الجنرال الألماني كورت فون هامرشتيين-إيكفورد مصفوفة للجيش النازي. اعتبرت أن العسكري الكسول والذكي يمكنه أن يصبح قيادياً لأنه يميل نحو تبسيط الإجراءات. وتقول الأديبة أجاثا كريستي: «لا أعتقد أن الحاجة أم الاختراع فالاختراع - في رأيي - ينبع مباشرة من الفراغ، وربما من الكسل أيضاً. وغرضه أن يوفر المرء على نفسه الجهد».
تشير الدراسات العلمية إلى أن الكسل مرتبط بالدوائر العصبية للمكافأة، فما لا عائد من ورائه لا يحمس النفس النفعية. وهناك من لا يهمه المردود فتجده مستعداً للقيام بما طلب منه بغض النظر عن العائد المادي، وفقاً لدراسة شاكيل عام 2021.
الكسل ليس مجرد صفة عابرة، بل سلوك له دوافع نفسية واجتماعية وعصبية. الفارق بينه وبين الراحة، أن الراحة تعيدنا للعمل، أما الكسل فمنه ما يبقينا بعيداً عنه. وبين الراحة والكسل يقف لنا بالمرصاد... الضمير الحي.
