د. محمد النغيمش
كاتب كويتي مختص في علوم الإدارة. خبرة طويلة في قطاع الاستثمار. وعضو مجالس إدارة عشرات الشركات في قطاعات عدة منها الاستثمار والعقار والصناعة والتعليم والتأمين، كثير منها مدرجة بالبورصة. عمل مستشارا لوزراء وشركات. أمضى نحو ثلاثة عقود في الكتابة منها في صحيفة «القبس» و«النهار»اللبنانية و«مجلة الرجل»، ويكتب لـ«الشرق الأوسط»اللندنية منذ 2009. حاصل على الدكتوراه في القيادة من جامعة ساوثهامبتون بالمملكة المتحدة. ألف عدداً من الكتب آخرها «عقلية الإسفنجة».
TT

زلات لا تغتفر

استمع إلى المقالة

بحسن نية، دمر عامل نظافة جهد عقود من «العمل الرائد»، عندما أقدم على إيقاف زر تشغيل ثلاجة معملية تحتوي على عينات بحثية مهمة بسبب اعتقاده أن انبعاث «صوت إنذار مزعج» منها قد يوقفه ذلك التصرف! ورغم كتابة طريقة كتم الصفير على باب الثلاجة، فإن إيقاف العامل للقاطع الكهربائي تسبب في إفساد العينات المخزنة في حرارة تبلغ 80 درجة مئوية تحت الصفر، وكانت التكلفة مليون دولار.

اضطر معهد «رينسيلار» للعلوم التطبيقية في مدينة تروي بولاية نيويورك الأميركية إلى مقاضاة الشركة التي وظفت عامل النظافة بحجة أنها لم تدربه بالشكل اللائق، حسبما قال محاموها في تقرير لـ«بي بي سي».

المفارقة أنه كانت أمام عامل النظافة فرصة الضغط لمدة من 5 إلى 10 ثوانٍ ليكتم ذلك الصفير، علماً بأن الصوت كان يقصد منه إخطار الباحثين بأن الحرارة قد ارتفعت بمقدار ثلاث درجات مئوية بسيطة.

الخطأ وارد في كل أصقاع الأرض. المشكلة ليست في الخطأ، بل في من لا يتوقع وقوع أي خطأ، أو لا يتخذ إجراءات حصيفة تحول بيننا وبين حدوث الأخطاء.

وكان أحد الرؤساء الأميركيين ضحية خطأ ارتكبه عندما نسي ملفاً صنف على أنه سري للغاية (classified)، حيث تركه خلفه في أحد المقاهي أو المطاعم، ثم عاد فريقه بأقصى سرعة للبحث عنه قبل أن يحدث ما لا تحمد عقباه. وبرج بيزا المائل في إيطاليا، بدأ يميل بشكل مثير للقلق بعد فترة وجيزة من بنائه عام 1173م، ثم تبين أن رخاوة التربة التي شيدت عليه كانت السبب في ذلك. فتم تدارك ما يمكن تداركه إلا أنه أصبح معلماً سياحياً، ربما بسبب ذلك الخطأ، ثم تغيرت اشتراطات البناء. وهو ما حدث في بريطانيا أيضاً عقب الحريق الكبير عام 1666 الذي التهم مبانيها الأثرية الجميلة، و87 كنيسة، و13.200 منزل بسبب خطأ ذلك الخباز الذي اشتعل فرنه، في شارع بادينغ لين، ومنذ ذلك الحين، تغيرت قواعد أنظمة الأمن والسلامة، ليصبح الإنجليز مضرباً للمثل في إجراءات السلامة. فحتى في الدورات التدريبية الإدارية تجد المدرب يوجهك إلى مخارج الطوارئ قبل أن يبدأ! في تركيا، اضطرت الحكومة بعد زلزال عام 2023 إلى إجبار المباني غير الملتزمة باشتراطات السلامة، حيث إن التراخي في تطبيقها سبب كارثة كبيرة لا تغتفر تمثل جزء منها في انهيار ما يربو عن 12 ألف مبنى.

كما يروى أن كارثة تشيرنوبل وقعت بسبب خطأ إيقاف نظام التبريد الاحتياطي، في أبريل (نيسان) 1986، فاتبعتها سلسلة من الأحداث التي دمرت الغطاء الصلب الخرساني للمفاعل النووي، حيث لقي 4300 شخص حتفهم وأصيب نحو 70 ألفاً بإعاقة دائمة. وتغيرت كذلك متطلبات السلامة حول العالم. وذلك مثلما يحدث في عالم الطيران، فكلما انتهى تحقيق سقوط طائرة، سارعت المنظمات الدولية لفرض تغيير جديد في التصنيع أو قواعد الطيران، وهذا ما جعل الطائرة أكفأ وسيلة نقل في العالم.

واضح أن الإنسان لن يكف عن الخطأ، وهذا أمر مفهوم، لكن الكارثة ألا يفعل شيئاً ليحل الخطأ بطريقة مستدامة بعيداً عن ردود الأفعال الوقتية. ولذلك عندما تُكتَب اللوائح الإدارية في المؤسسات يؤخذ في الاعتبار احتمالية وقوع خطأ ما. غير أن المشكلة ليست في الخطأ، بل في طريقة التعامل مع الأخطاء أو الأزمات، ولهذا يدون دليل التعامل مع الأزمات لتوحيد آلية العمل حتى لا تكون ردود الأفعال مرتبطة بتفاوت همم الأفراد أو اجتهاداتهم. وفي بعض الأحيان يكون منشأ الخطأ بيئة العمل التي لا تعاقب أحداً. فيتمرد العاملون وتكثر الأخطاء.

ومن الحلول لتقليل الأخطاء، تكثيف التدريب والحوكمة الرشيدة، وتفعيل مبدأ التدرج في منح الصلاحيات، وإشاعة ثقافة الكتابة بدلاً من الأوامر الشفهية لصرف مبالغ طائلة أو اتخاذ إجراءات جوهرية قد تفسد صفو بيئة العمل.

هناك مؤسسات وبلدان تخرج أقوى من ركام الأخطاء... وأخرى تبقى هشة.