يمكن أن تمثل البيانات مسؤولية وأصولاً في الوقت نفسه، وهي كنز رائع للاستهداف في الإعلانات، وكشف عمليات الاحتيال، لكنها مشكلة كبيرة عندما توكل إلى صاحبها مهمة حراستها. إن واجبات حماية المعلومات تتضمن الإبلاغ عن الاستغلال غير القانوني الصارخ، وحظر المحتوى غير المرغوب فيه، وكذلك الإشراف على المحتوى.
لكن معظم شركات التكنولوجيا غير مجهزة للتعامل مع القضايا خارج نطاق التكنولوجيا والهندسة. على سبيل المثال، يوم الاثنين الماضي، أنهت شركة «كلاود فلير» لخدمات الأمن خدماتها لموقع «8 تشان» (الذي يسمح لمستخدميه بنشر موضوعاتهم بشكل مجهل)، بعد أن اتضح أنه كان مصدر إلهام لمرتكبي حادثة إطلاق النار الجماعية الأخيرة. وقد أعرب ماثيو برنس، الرئيس التنفيذي لشركة «كلاود فلير»، عن عدم ارتياحه لاستضافة شركته لموقع يقدم محتوى كهذا، مؤكداً أن إنهاء التعامل مع موقع «8 تشان» قد «رفع الحرج» عنها.
المديرون التنفيذيون لشركات التكنولوجيا، عموماً، لا يرحبون كثيراً بمهمة وضع القيود على محتوى الخطاب في مواقع الإنترنت، إذ يرون ذلك عبئاً. في نظرهم، فإن وظيفة مراقب المحتوى هي عمل لا تتلقى عليه شكراً مثل عمل حكم كرة القدم، أو أستاذ الفصل الذي لا يحبه التلاميذ.
إن نظرة سريعة للتغريدات التي ورد فيها اسم جاك دورسي، مؤسس موقع التواصل «تويتر»، أظهرت حنقاً شديداً على سياسة الاعتدال التي تطبقها «تويتر»، وهو ما تجلى بوضوح في تغريدة من أحد المستخدمين موجهة إلى دورسي يقول فيها: «أليس من الغريب أن كل شخص في هذا الموقع يكرهك؟».
لا عجب إذن في أن يطلب مارك زوكربيرغ، مؤسس موقع «فيسبوك»، معرفة المعايير التنظيمية الحكومية للمحتوى الضار.
مع كل النقاش حول المواد المناسبة للاستهلاك العام، اختار بعض مزودي المنصات حلاً ينتزع الطاقة من أيديهم بشكل استباقي مثل تطبيقات الدردشة. كمثال على ذلك، يمكن تشفير تطبيقات «تيلغرام» و«سيغنال» من طرف لآخر، ما يمنع غير المشاركين من مشاهدة المحادثة (حتى الشركة نفسها على الرغم من أن المتسللين يمكنهم الوصول). فالمنطق يقول إنه لا يمكن لمقدمي التطبيقات توقع محادثات معتدلة لا يمكنهم رؤيتها.
هناك شبكات اجتماعية غير مركزية مثل «ماستودوم» «ودياسبورا» قريبة الشبه بـ«فيسبوك» و«تويتر»، لكن بدلاً من الوجود على منصة مركزية، فإنه يجري توزيع المحتوى على عدد من تجمعات الإنترنت، ويجري استضافة كل منها على خادم (سيرفر) مستقل.
بمجرد إنشاء برنامج كهذا، سيكون من الصعب وضع قواعد تحدد طريقة استخدامه. إن الغرض من تأسيس شركة «ماستدوم» هو تحقيق الاعتدال النشط بصورة أكبر مما يمكن لـ«تويتر» فعله، وذلك بتمكين تلك المجتمعات من مراقبة أنفسها، لكن مؤسسيها شعروا بالفزع لرؤية تطبيقاتهم تتعرض للسطو بواسطة شبكة التواصل الاجتماعي «غاب». فالمشكلة هي أنه لا يمكن لصانعي المنصات اللامركزية حذف المحتوى، حيث يعجزون عن التحكم في الخوادم.
إليك الطريقة التي شق بها موقع «8 تشان» طريقه عبر الإنترنت من دون الحاجة إلى شركة «كلاود فلير». فقد حدث ذلك باستخدام تطبيق يسمى «زيرو نت»، وهي خدمة استضافة «نظير إلى نظير» تقوم بتحميل محتوى موقع الويب نيابة عن الزوار، ثم تقدمها كشبكة توصيل محتوى غير مركزية.
يؤدي هذا الإجراء وظيفة شركة «كلاود فلير» نفسها، وبشكل فعال، ولكن بدلاً من شركة واحدة تتحكم في مئات الخوادم، فإن كل خادم يتعامل مع زائر مختلف. لقد وفرت الخدمات المقاومة للرقابة الملاذ للعاملين في مجال صناعة المحتوى الجنسي، عندما يحاول قانون جديد إعاقة ومنع حرية التعبير عن صناعتهم، والشيء نفسه حدث مؤخراً مع المتظاهرين في هونغ كونغ، وكذلك في تطبيقات «تيلغرام» والدردشة التي استخدمها تنظيم «داعش» الإرهابي.
تمثل المنصات اللامركزية نظام الاتصالات المرن المفترض أن تقوم به «الإنترنت» في الأساس. ونتيجة لذلك، فإن المعارضة البغيضة لا تختفي ببساطة عند إزالتها من مزودي الخدمات الرئيسيين. عندما تتم إزالة العناصر غير المرغوب فيها من الشبكات الاجتماعية، فإنها تجد أفراداً متشابهين في التفكير في الزوايا المظلمة للشبكة. وغالباً ما يجري وصف موقع «Gab.com» على أنه «ملاذ آمن» للمتطرفين اليمينيين، على الرغم من أن مؤسسه يؤكد أن الموقع يرحب بجميع شرائح الزوار. إن الأشخاص الذين يلجأون إلى «غاب» غالبا ما يكونون ممن جرى حظرهم من «تويتر»، وكثيراً ما يكون غالبيتهم من أقصى اليمين. وبالمثل، فقد بات موقع «8 تشان» ملاذاً لأولئك الذين خضعوا للرقابة في موقع «4 شان»، الذي كان هو الآخر الملاذ لمن جرى حظرهم في موقع SomethingAwful، وهو موقع مظلم آخر.
لقد أفاد المشرفون على «فيسبوك» بالضيق بعد مشاهدة محتوى فظيع، وهو الشعور نفسه بالنسبة لمستخدمي «8 تشان». إذا كان المجتمع يريد حقاً إصلاح المتطرفين، فإن فكرة الزج بمتطرفين في حفرة مع متطرفين آخرين ليست بالفكرة السديدة. فلو أنك قضيت وقتاً طويلاً في بالوعة لا بد أنك ستعتاد عليها، وستراها شيئاً طبيعياً في النهاية.
هذا ما تفعله فقاعات وسائل التواصل الاجتماعي للجميع. فقد اتهم البيت الأبيض شركات التواصل الاجتماعي بالتحيز ضد المحافظين. فمن وجهة نظر رئيس يميني، ربما يبدو وادي السيليكون معادياً للمحافظين، ومن ناحية أخرى، فإن «فيسبوك» و«تويتر» و«غوغل» تنكر مراراً وتكراراً تحيز منصاتهم. قد يعتقد المهندسون في وادي السيليكون بأمانة أن معارضتهم تمثل الحياد السياسي.
إن حظر المتطرفين من منصات التواصل الاجتماعي يمكن أن يمنع أفكارهم من تسميم الجمهور، ومع ذلك فإن استراتيجية العزل في مكان واحد يمكن أن تجعل من المستحيل على المتطرفين أن «يعودوا أشخاصاً طبيعيين» ضمن مجتمع مهذب.
سيجد المتطرفون مكاناً للعيش، أياً كانت الاحتياطات، لذلك قد يؤدي الاعتدال القاسي إلى إلحاق ضرر أكبر من النفع. قد يكون من الأفضل أن يكون لديك أصوات بغيضة على الشبكات الاجتماعية الكبيرة، لأنها من الممكن أن تتوب عما تفعل، ولن يستمر أصحاب التفكير الضحل المتشابه في التصفيق لهم طويلاً.
- خدمة «بلومبرغ»
9:33 دقيقه
TT
شركات التكنولوجيا تسعى للخروج من الرقابة التجارية
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
