يعد الكشف عن خبيئة المومياوات الملكية بالدير البحري في الأقصر، أحد أعظم الاكتشافات؛ ففي شتاء عام 1871 كان أحمد عبد الرسول؛ أحد أفراد عائلة عبد الرسول التي سيذيع صيتها فيما بعد؛ يرعى الغنم في التلال الصخرية أعلى الدير البحري حيث موقع المعبد الجنائزي للملكة حتشبسوت، وعندما سقطت إحدى غنماته داخل شق صخري تتبع أحمد صوت الغنمة المتألم فوجد أنها سقطت في بئر محفورة في الصخر، وعندما تدلى بنفسه بحبل لأسفل وجد نفسه في ممر مملوء بتوابيت أثرية فأحضر أخويه حسين ومحمد ليتحققوا جميعهم من الأمر، وبالفعل أدركوا أن التوابيت تحتوي على مومياوات ملكية، وبعدها احتفظ عبد الرسول وأخواه بسرهم هذا لعشر سنين، ولم يدخلوا المقبرة سوى عشر مرات فقط، وخلال العشر سنوات تلك استطاعوا بيع جميع القطع الأثرية الذهبية فقط.
وبدأ الوكلاء وقناصل البلاد الأجنبية في زيارة الأقصر لشراء بعض التحف ونقلها إلى أوروبا، وأيضًا ظهرت آثار ملكية خارج مصر، ومن هنا بدأت الشكوك تتوالد فقام على أثرها أعضاء من مصلحة الآثار المصرية بإجراء التحقيقات، وكان من بينهم في ذلك الوقت جاستون ماسبيرو مدير مصلحة الآثار المصرية ومساعده إميل بروكش وأحمد باشا كمال (أفندي في ذلك الوقت)، أول الأثريين المصريين، وداود باشا مدير نقطة شرطة قنا.
وفي 4 أبريل (نيسان) 1881 أرسل ماسبيرو شرطة الأقصر للقبض على أحمد عبد الرسول، وقد ترأس إميل بروكش تحقيقات الشرطة والتي أنكر فيها أحمد أي معرفة له بوجود خبيئة ملكية، وبعدها فتشت السلطات المصرية منزله، فلم يعثروا على أي أدلة جنائية تدينه، وعلى الرغم من أنهم لم يجدوا شيئًا يجعلهم يستمرون في تحقيقاتهم، فإن شكوكهم لم تهدأ وأبقوا أحمد في السجن حتى استكمال التحقيق.
وفي 7 أبريل تم استدعاء داود باشا لإجراء بعض التحقيقات الرسمية وكانت نتيجتها أن كل سكان القرنة بما فيهم العمدة شهدوا أن أحمد عبد الرسول شخص محترم، ولا يمكنه التورط في أعمال حفائر غير قانونية أو تهريب آثار، وبعد خروج أحمد من الحبس طلب من أفراد عائلته النصيب الأكبر من الكنز كمكافأة له على تكتمه الأمر رغم تعرضه للتعذيب، ولكن أخويه رفضا إعطاءه ما يطلب؛ ومن هنا بدأ النزاع بينهم.
وفي 25 يونيو (حزيران) وجد محمد الأخ الأكبر أنه من الأفضل البوح بالسر لوقف النزاع بين أفراد الأسرة، وبالفعل ذهب سرًا إلى نقطة شرطة قنا وأبلغهم بموقع الكنز ووجد أكثر من 30 تابوتًا وآثارًا متنوعة.
وفي 27 يونيو زار إميل بروكش وأحمد باشا كمال طيبة، وفي 6 يوليو (تموز) دخلوا الخبيئة لأول مرة، ووجدوا المومياوات الملكية، التوابيت والأثاث وكان كثير من أشهر ملوك الدولة الحديثة هناك، بما فيهم الملك الذي بدأ بمحاربة الهكسوس سقنن رع تاعا الثاني، وابنه أحمس، وأمنحتب الأول، وتحتمس الأول، والثاني والثالث، وسيتي الأول، ورمسيس الثاني والثالث، وأيضًا تابوت رمسيس الأول ولكن لم توجد المومياء بداخلها.
وفي خلال يومين فقط تم تجهيز المومياوات لنقلها إلى القاهرة، وكانت بعض التوابيت ثقيلة للغاية مما اضطرهم إلى توفير 12 رجلاً لحمل التابوت الواحد؛ وفي 15 يوليو 1881 وصلت السفينة البخارية المنشية التابعة لمصلحة الآثار لتحمل المومياوات إلى القاهرة.
وفي اليوم الذي رحلت فيه المومياوات الملكية، ملأ سكان الأقصر ضفتي النهر ليندبوا أجدادهم، فارتدت السيدات الملابس السوداء، وناحت، أما الرجال فوقفوا مكبوتين وكأنهم يشاهدون الملوك والملكات العظماء من الماضي.
8:32 دقيقه
TT
قصة كشف أثري مثير
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
