حسين شبكشي
رجل أعمال سعودي، ومستشار اقتصادي لعدد من الشركات الخليجية الكبرى، وعضو مجلس إدارة ورئيس مجلس إدارة في عدد من الشركات السعودية والأجنبية. نشر العديد من المقالات في مجالات مختصة، وفي صحف ومجلات عامة في العالم العربي. اختير عام 1995 «أحد قادة الغد» من قبل «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس. أول رجل أعمال سعودي وخليجي ينضم إلى «منتدى أمير ويلز لقادة الأعمال».
TT

عقدة نقص وعقدة أجنبي!

هاتفني صديق لم أسمع منه منذ مدة طويلة جدًا وهو الذي تبوأ منصبًا رفيعًا وأصبح «نجم تصريحات» وله الحضور الإعلامي الذي يأتي مع هذا المنصب، قال لي وهو يلهث وكان يصعد سلالم الدرج المؤدي إلى مكتبه: ألم تقرأ ما كتبت عني «الفايننشيال تايمز» البريطانية والمديح الذي أبدته عن أدائي؟ قلت: لا صدقًا لم أقرأ. قال لي: أرجوك أن تقرأ ما ورد في عددها الأخير وقل لي رأيك فرأيك يهمني. قلت له: طبعًا إن شاء الله. قاطعني وقال لي: الآن أريدك أن تقرأه أنا بانتظار اتصالك لتخبرني.
تصفحت العدد المقصود على الإنترنت عن طريق هاتفي الجوال واتصلت به وقلت له: قرأت المقال ولا يوجد مديح في حقك. قال لي: لكنهم لم ينتقدوا أدائي وهو بحد ذاته مديح. قلت له: منطقك غير دقيق. قال لي: إنها «الفايننشيال تايمز». قلت له: ولكن هناك أكثر من صحيفة محلية تنتقد أداءك بصريح العبارة. فقال لي ضاحكا: هؤلاء لا يهمونني.
تأملت لاحقًا بعد ذلك في كلام الرجل، وأدركت كم هو محق في كلامه، فالصحافة في الغرب تعتبر السلطة الرابعة، فهي عين الناس على أداء السلطات الثلاث الأخرى؛ التنفيذية والتشريعية والقضائية، ولذلك يحسب لها ألف حساب في ظل وجود قانون يحمي حرية الكلمة ويحترمها، أما الصحافة المحلية فيتم التعامل معها ما دامت «بقيت ضمن الحدود» و«لم تخرج عن الأدب» وهذا منطق مختلف تمامًا. ولا أرى في صحف العالم العربي مانشيتات تتحدث عن إشادة صحيفة «الأهرام» المصرية بأداء الرئيس باراك أوباما أو مديح صحيفة «القبس» الكويتية لسياسات الرئيس الفرنسي هولاند أو تقدير صحيفة «النهار» اللبنانية لتوجيهات المستشارة الألمانية ميركل، بينما يحرص الإعلام العربي على أهمية وضرورة «إبراز» أي إشادة من الإعلام الغربي بسياسات أو شخصيات أو قيادات من المنطقة باعتبار الإشادة «شهادة حق» بينما يتم التعامل مع أي إشادة من الإعلام المحلي على أنه نفاق وأقلام مدفوعة الأجر.
هذا طبعًا له تفسير قاسٍ لأنه يشمل عقدتين صعبتين؛ هما عقدة النقص وعقدة الأجنبي، وترجمتها هي أن الأجنبي يدرك حقيقة «التعطش» الشديد لأخذ الرضا والشرعية من الإعلام الغربي ونيل القبول بأي كلمة فيها مديح أو كما قال صاحبنا «على الأقل ليس فيها نقد».
ذكرني هذا الحوار الحزين المضحك المبكي مع صديقي بمشهد آخر كنت قد رأيته ضمن وفد في زيارة رسمية للخارج مع شخصية نرجسية يتفنن في التصريحات التي لا يفهم منها أحد أي شيء وكان يفتخر بذلك ويعتبرها مهارة في الخطابة. قال لي بعد أن وزع ابتسامته الصفراء على الحضور: سأستمع إلى نشرة الأخبار المسائية لنرى التعليق على الزيارة، تسارعت دقات قلبي وتوترت نبضات عروقي وتهرتقت قرون استشعاري وأنا أراقب التلفزيون معه ولم يبث التلفزيون أي خبر عن زيارته وصاح وهو يضحك: لقد نجحت! مرت الزيارة بسلام.
منطق أعوج بسيط على نظرة الكثيرين للإعلام.. اطلب الرضا بأي ثمن من الإعلام الغربي و«طز» في الإعلام المحلي.