حسام عيتاني
كاتب وصحافي لبناني لديه عدد من المؤلفات؛ منها: «الفتوحات العربية في روايات المغلوبين»، إضافة إلى ترجمات ومساهمات في دوريات عربية مختلفة. انضم إلى كتّاب «الشرق الأوسط» في عام 2018.
TT

هل صدّعت خيرسون تماسك الكرملين؟

ساعات من التوتر أعقبت ما قيل أنه سقوط صاروخ روسي داخل بولندا قبل التعرف إلى مصدره الحقيقي، في حادث يشبه ظروف العديد من أحداث ملتبسة في الحرب الروسية على أوكرانيا والتي تحمل على التفكير في إمكان اتخاذ أحداث مشابهة أبعاداً مأساوية في ظل غموض يلف ما يدور في الكرملين والتساؤلات عن معنى الأصوات المنتقدة لطريقة إدارة الحرب.
والأسئلة التي رافقت انفجار الصاروخ على أراضي دولة في حلف «الناتو» من النوع المألوف في التعامل مع روسيا: هل كان رسالة مقصودة وتحذيراً من توسيع الحرب بعد هزيمة خيرسون؟ أم أنه انحرف صدفة عن مساره لعلة تقنية أو لقلة في كفاءة الضابط المشغل له؟ كل ذلك جرى في ساعات قليلة قبل التقارير عن أن الصاروخ أوكراني وأطلق في سياق عملية دفاع جوي.
الصنف هذا من الأسئلة رافق الحرب منذ أيامها الأولى. وما زال الغموض الذي لفّ توقف القافلة الروسية الضخمة على مداخل كييف عيّنة نموذجية في تعدد التفسيرات لتحرك وعمل القوات الروسية. قيل يومها، أن الأرض الموحلة أرغمت القافلة على التوقف، وأن نقصاً في الإمدادات اللوجستية من وقود وقطع غيار جعل آلاف العربات المدرعة وناقلات الجند والدبابات تقف مكشوفة تحت عدسات الأقمار الصناعية الغربية. وظلت التكهنات تتردد إلى أن قضت المسيّرات الأوكرانية على الجزء الأكبر من القافلة وطويت خطة اقتحام كييف نهائياً.
وللحرب منطقها الخاص ومسارها اللذان لا يخضعان دائماً لقرارات غرف العمليات وضباطها. ذاك أن رقعة الأرض التي يدور القتال عليها وقدرة القوات على التحمل والانكسارات أو الانتصارات غير المحسوبة جيداً، تملي في كثير من الأحيان على القادة اتخاذ قرارات متطرفة. وإذا كانت الحقيقة هي الضحية الأولى في كل حرب، فإن القدرة على التحكم في مسار المعارك ونتائجها من الأمور شبه المستحيلة بعد أن تستهل المدافع إطلاق حممها. يبرز ذلك في أنظمة حكم تفتقر إلى الشفافية ويؤدي الفرد فيها دوراً محورياً ما يقلص القدرة على التراجع أو الاعتراف بالخطأ.
يعزز ذلك احتمالاً مقلقاً يتلخص في أن توسيع نطاق الحرب الذي اتخذ شكل حملة روسية شرسة لتدمير شبكة الطاقة قبل حلول الشتاء ودفع الأوكرانيين إلى تحمل وطأة البرد القارس من دون تدفئة ولا إنارة، ينطوي على تحول في «العقل» الروسي الذي يدير الحرب. وبعد الإشادات التي ظهرت في عدد من وسائل الإعلام الغربية «بالتصرف السليم» الذي عملت به قيادة القوات الروسية على سحب جنودها من خيرسون ومحيطها، ما فُسّر كانتصار للعقلانية في الكرملين على أصحاب الرؤوس الحامية المطالبين بالقتال حتى النفس الأخير وعدم الانسحاب من المدينة الأوكرانية الاستراتيجية، وقعت عملية التدمير المنهجي الروسي للبنية التحتية الأوكرانية.
التفسير السياسي للخطوة الأولى، أي الانسحاب من خيرسون، يقول، إن الروس يريدون البدء بالتفاوض مع الأوكرانيين والغرب عموماً، وإنهم يعوّلون على الأميركيين الذين قال رئيس أركانهم المشتركة الجنرال مارك ميلي بضرورة استغلال التباطؤ الذي سيفرضه الشتاء على العمليات القتالية للشروع في جهود دبلوماسية سلمية. وعلى الرغم من نفي إدارة الرئيس بايدن عزمها الضغط على كييف للقبول بالتفاوض مع الروس، فإن البحث عن كيفية توظيف الانسحاب من خيرسون لإطلاق المسار الدبلوماسي قد انطلق.
أما القصف الشديد بالصواريخ الباليستية على المنشآت الأوكرانية، فليس بالضرورة أن يعني أن الروس لا يرغبون في بدء التفاوض. بل على الأرجح أنهم يريدون من خلال رسالة القصف القول إنهم يمتلكون رغم نكساتهم العسكرية المتواصلة ما يكفي من القوة لإلحاق دمار مكلف بالدولة الأوكرانية التي ستضطر إلى مواجهة استياء مواطنيها من انهيار الخدمات الأساسية كالكهرباء وما يتصل بها من نقل وطبابة.
لغز آخر يواجه مراقبي الشأن الروسي يتعلق بتماسك المجموعة الحاكمة المحيطة بالرئيس فلاديمير بوتين. الإهانات التي وجهها رئيس شركة «فاغنر» للمرتزقة يفغيني برغوجين والزعيم الشيشاني رمضان قديروف لكبار ضباط الجيش الروسي واتهامهم بالفشل، وضعت في سياق صراع الأجنحة في قمة الهرم المشرف على الحرب في روسيا. لكن من جهة ثانية، يتعين الالتفات إلى البيان الذي أصدره الفيلسوف ألكسندر دوغين (الذي فقد ابنته قبل أشهر قليلة في انفجار اتُهمت الأجهزة الأوكرانية بالمسؤولية عنه). يحفل البيان بتهديدات مبطنة موجهة إلى بوتين وببلوغ التحريض على الحرب ضد الغرب حدوداً تخرج عن التفكير السليم وتلامس الدعوة إلى إفناء العالم.
دوغين ليس من أصحاب قرار الحرب والسلم. لكن وسائل الإعلام الموالية للكرملين رسمت حوله هالة المفكر الأصيل وضمير الشعب الروسي. يدفع ذلك إلى التأمل في أمرين؛ الأول، هو حاجة المجموعة الحاكمة في الكرملين إلى الحرب كمبرر لوجودها وبالتالي عجزها عن التراجع عن مواقفها سواء من خلال مفاوضات سلام أو بفعل قرار رئاسي بوقف القتال. والآخر، أن الحرب التي بدأها بوتين مختاراً، قد ولّدت آليات خاصة بها باتت قريبة من الخروج عن كل سيطرة.