على صانعي السياسة أن يكونوا أكثر تواضعاً بشأن ما لا نعرفه، خاصة مع «كوفيد 19»، فقد تضمنت وثيقة استراتيجية «كوفيد 19» الأولى التي كتبتها، في أبريل (نيسان) 2020، لبيل دي بلاسيو، عندما كان عمدة نيويورك، صفحات متعددة مخصصة لمقاييس وقت تخفيف القيود أو تشديدها، مثل تفويضات القناع للمكاتب والمطاعم والأحداث الرياضية وغيرها.
لكنني الآن في حيرة من أمري مثلما كنت قبل عامين تقريباً بشأن أفضل المقاييس التي تجب مراعاتها لمراقبة الوباء وكيفية استخدامها لتنفيذ الإجراءات التي من شأنها إبطاء انتشار الفيروس.
لقد بات واضحاً لي أن القرارات المتعلقة بالقيود لا يمكن تحديدها فقط من خلال مقياس واحد حتى مجموعة من المقاييس. فسواء أكانت معدلات عدد الحالات أو نتائج اختبار الإيجابية أو وحدات العناية المركزة، أو استخدام الأسرة أو غيرها من الأرقام، فإنه من الواجب مراعاة هذه المقاييس جنباً إلى جنب مع كثير من العوامل النوعية الأخرى. لا يوجد رقم متعلق بـ«كوفيد» يمكنه التحدث عن نفسه والعمل في جميع الأوقات، لأن العوامل الحاسمة تتغير باستمرار. وتشمل هذه الفيروسات نفسها أدوات مثل اللقاحات، والأدوية وتحسين الاختبارات، وأدلتنا على ما يعمل على منع الانتشار، والمواقف العامة تجاه تدابير السيطرة على الوباء.
لا يزال صناع القرار يواجهون تحديات مماثلة. ولذلك، ضع في اعتبارك السؤال؛ متى يمكن للمدارس التوقف عن مطالبة الأطفال بارتداء الأقنعة؟ فمن الناحية المثالية، قد يبني مسؤولو الحكومة أو المدرسة هذا القرار على مقدار انتقال «كوفيد» الذي يحدث داخل المدارس. وعندما تكون معدلات العدوى ضئيلة جداً، فهنا يمكننا رفع الأقنعة، وعندما ترتفع المعدلات، تعود الأقنعة.
لكن من الصعب قياس ذلك نظراً، لأنه ليست لدينا حتى الآن تقنية دقيقة ومتاحة على نطاق واسع لقياس كمية الفيروس في الهواء. وبدلاً من ذلك، تقوم غالبية الأماكن بالإبلاغ عن عدد الحالات التي تحدث لأي شخص مسجل في المدرسة. لكن أعداد الحالات هذه لا تُظهر مدى انتشار فيروس «كورونا» في المدارس بدقة، لأن كثيراً من الأطفال والمعلمين يصابون بالعدوى خارج مبنى المدرسة. وفي الأماكن التي تُجرى فيها اختبارات مكثفة داخل المدرسة، يعكس هذا القياس أيضاً بشدة كثافة الاختبار، وليس مكان إصابة الأشخاص بالعدوى.
يتمثل أحد الخيارات في ربط السياسات المدرسية بمعدلات انتقال العدوى في المجتمع، لكن صانعي السياسات تعلموا أن المدارس، شأن المستشفيات، يمكن أن تحافظ على انخفاض معدلات انتقال الفيروس حتى عندما تكون المعدلات في المجتمع بصفة عامة مرتفعة.
هناك خيار آخر، وهو مراقبة النسبة المئوية للاتصالات الوثيقة بالمدرسين والطلاب وغيرهم من الموظفين الذين ثبتت إصابتهم بالفيروس، ما يمكن أن يكون مقياساً لمدى نجاح ممارسات المدرسة في منع الأشخاص الذي جرى تشخيص حالتهم على أنها إصابة بـ«كوفيد» من نشر الفيروس. ولكن إذا أصدر المسؤولون وأولياء الأمور قراراً بشأن تحقيق الأمان، فإن الأقنعة ليست هي التدخل السياسي الوحيد الذي يؤثر على انتقال العدوى في المدارس. يحتاج مسؤولو الصحة إلى فصل المنفعة الفردية للأقنعة عن تدابير التخفيف من إجراءات «كوفيد 19» الأخرى، بما في ذلك تطعيم جميع الأطفال والبالغين، ووضع خطة اختبار قوية في حالات الاتصال الوثيق، وتحسين التهوية، وتحديد ما إذا كانت هذه الإجراءات عبارة عن حزمة واحدة، أم أنه من غير الضروري توفيرها معاً، ويمكن استخدامها بشكل منفصل.
لسوء الحظ، يتعين على صانعي السياسات قبول كثير من الحقائق غير الملائمة حول الأقنعة في نفس التوقيت، حيث تقلل الأقنعة على البالغين والأطفال من انتقال الفيروس في الأماكن المغلقة. لكننا لا نعرف بالضبط المقدار في البيئات المدرسية المختلفة، وسط مجموعات سكانية مختلفة بمستويات مختلفة من انتقال العدوى في المجتمع. فخلال طفرات «كوفيد 19»، قد يتفق كثير من الآباء والمعلمين على أن أضرار «كوفيد 19» تفوق المخاوف بشأن الأقنعة. ففي غير حالات الزيادات المفاجئة، هناك اتفاق أقل بشأن الإجراءات. فبعض الناس لا يجدون أنه من المقبول ارتداء الأقنعة بشكل مستمر أثناء النهار، فيما يشعر بعض الآباء بالقلق من احتمال حدوث تأخير في الكلام لدى الأطفال بسبب استخدام الأقنعة بشكل متواصل، على الرغم من أن ذلك لا يزال غير مثبت.
هناك مشكلات مماثلة لأسئلة سياسة «كوفيد 19» العاجلة الأخرى، مثل ما إذا كان يجب على أصحاب العمل إلغاء تفويضات اللقاح، وما إذا كان يجب على المدن إلغاء التحقق من اللقاح لتناول الطعام وممارسة الأنشطة الداخلية الأخرى عندما يجري تطعيم نسبة معينة من السكان.
الحقيقة هي أن العلم لا يملك إجابة عن مستوى انتقال «كوفيد 19» المقبول في المدارس قبل إزالة الأقنعة وبعدها، أو ما هو المستوى المقبول في المجتمعات قبل التحقق من اللقاح وبعده. يجب أن نقرر، وسيشمل هذا القرار تقييمات ذاتية للمخاطر التي سيتحملها الناس.
علاوة على ذلك، قد لا تكون المقاييس التي تعتمد على أرقام الحالات العامة - مثل نظام تصنيف مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها لمستويات انتقال المجتمع - غير قابلة للاستخدام في المستقبل القريب. قد يتوقف كثير من الولايات في نهاية المطاف عن الإبلاغ اليومي أو الأسبوعي عن عدد حالات الإصابة بفيروس كورونا، لأن كثيراً من الناس يستخدمون الاختبارات السريعة في المنزل، ما يجعل عدد الحالات العامة غير دقيق.
في حالة عدم وجود بيانات ومقاييس موثوقة، سيحتاج المسؤولون المنتخبون لدينا إلى اتخاذ قرارات مدروسة. على سبيل المثال، قد يكون الوضع المثالي هو التخلي عن الأقنعة في المدرسة عندما يكون هناك تطعيم شامل بين الأطفال والبالغين في المدارس، وتكون معدلات الاستشفاء مستقرة أو تتراجع لمدة 4 أسابيع على الأقل، وتكون الاختبارات السريعة والأقنعة عالية الجودة متوفرة ومجانية لمن يريدها في المدرسة. لكن نظراً لأنه من غير المحتمل أن نصل إلى هذه المستويات قريباً، فإن الخيار الأفضل التالي هو أن يقرر المحافظون ورؤساء البلديات ما يجب عليهم فعله.
ولا يزال يتعين على القادة المنتخبين النظر في البيانات عند اتخاذ قرارات كهذه. ويتعين عليهم البدء بسؤال مسؤولي الصحة العامة؛ هل يتزايد العبء الإجمالي للمرض؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكن أن يطغى على نظام الرعاية الصحية؟ حتى لو لم يكن في ارتفاع، فهل هناك تفاوتات جسيمة في عبء المرض مثل مجتمعات أو مرافق معينة تتطلب استجابة مستهدفة؟
للإجابة، سيحتاج مسؤولو الصحة إلى استخدام نهج مشابه لكيفية قياسهم لنشاط الإنفلونزا.
فبالنسبة للإنفلونزا، يقرّ مسؤولو الصحة العامة بأنهم لا يستطيعون حساب جميع الحالات المجتمعية والمستشفيات بدقة، لذلك يراقبون عينات من السكان بحثاً عن أعراض تشبه أعراض الإنفلونزا، وسلالات الإنفلونزا المنتشرة وفعالية اللقاح. ويقومون بعمل تقدير مركب لنشاط الإنفلونزا ومقارنته بالبيانات التاريخية. يمكننا التحول إلى هذا النهج لـ«كوفيد 19» واستكماله بمناهج واعدة أخرى، مثل مراقبة مياه الصرف الصحي.
ورغم ذلك، في معظم الحالات يحتاج المسؤولون المنتخبون إلى العمل في المنطقة الأكثر رمادية من التدخلات المصممة بشكل ضيق لظروف محددة، مثل المدارس ودور رعاية المسنين والسجون. وفي كل مكان، يحتاج المسؤولون إلى التفكير فيما إذا كان الأشخاص في تلك الأماكن قد جرى تطعيمهم أو أنهم معرضون للخطر طبياً، وما إذا كان المبنى يتمتع بتهوية محسّنة وما إذا كانت هناك أقنعة عالية الجودة واختبارات سريعة متاحة لكل من يريدها، وما إذا كان المبنى يحتوي على كمية وفيرة من الصابون والماء والمناشف الورقية لنظافة اليدين.
كما يحتاج المسؤولون أيضاً إلى استخدام أفضل أحكامهم لتقدير مستوى الغضب العام في حالة حدوث تفشٍ في هذه الأماكن، وموازنة ذلك مقابل عدم الرضا المستمر عن تدابير التخفيف. ورغم ذلك، فالأمر متروك لنا جميعاً للمحاسبة.
* متخصص في علم الأوبئة ويركز في عمله على الاستجابات واسعة النطاق للأمراض المعدية، وعمل مستشاراً لشؤون «كوفيد 19» وساعد في توجيه استجابة مدينة نيويورك للوباء
* خدمة «نيويورك تايمز»
TT
متى نزيل الكمامات ونرفع قيود «كوفيد»؟
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
