ثمة نمطٌ شائعٌ في معظم أزمات هذه المنطقة من العالم (الشرق الأوسط) الأكثر ثراءً وعمقاً من حيث المعنى وحركة التاريخ، وهو أنَّها ينبغي أن تحل عبر التفاهم وتجنب الانجرار إلى صراعات لا تنتهي، وتكلف المنطقة كثيراً من الجهد الذي ينبغي أن يوظف في التنمية والبناء والتعمير.
من الغزو الأميركي للعراق إلى ما تلا ذلك وحتى قبله، ومن الحروب الأهلية الدامية إلى مشاريع تقويض استقرار الدول والحروب بالوكالة، ظلَّ الشرق الأوسط مختبراً لحدود القوة، وعجزها عن إحداث الفارق عبر ما أصفه بـ«الاستنبات». هذا الجزء من العالم شديد الصلة بالأرض، وتراثه وتقاليده، وتلك قصة أخرى، إلا أن هذا الكم من التوترات وتشابك الأزمات يعيد السؤالَ الجوهريَّ نفسه: أين الخلل؟
بقدر ما تبدو الإجابة شديدة التعقيد، إلا أن جزءاً من الأزمة هو الخطأ في التعامل مع المنطقة من الجوانب الثقافية والفلسفية والاجتماعية، حيث إنَّ هذه البقعة من الكوكب تاريخها تاريخ أفكار بامتياز، إذ لا مجال لنجاح تجربة الاستنساخ، أو فرض مفاهيم سياسية واجتماعية، أو تشكيل هويات هجينة لا يمكن أن تكتب لها الحياة.
ما يزيد معضلة الشرق الأوسط أنَّ ثقافته تحمل قيماً شديدة الحساسية تجاه منطق القوة الذي تقابله عادة بـ«التضحوية» التي تستحضر خطاباً آيديولوجياً ثورياً يجعل من استمرار الصراع مهما كانت الخسائر وقوداً للتحشيد والتعبئة، وهنا تتوقف كل الحلول، ويبرز حل «التفاوض» مفتاحاً لمعالجة المشاكل.
وفي مقابل شرق أوسط معقد وهوياتي، يعيش النظام الدولي اليوم تحولات بنيوية عميقة، حيث فقدت المؤسسات الدولية قدرتها على التأثير، كما هي الحال مع القوانين الدولية التي تُنتَهك لفرض أمر واقع بقوة السلاح ودون تدخل القوى الكبرى التي تقارب كل النزاعات المتداخلة بمنطق المصلحة الذاتية.
ربما كان الاستثناء الذي يمكن البناء عليه وصفه سايمون كوبر في مقاله الأنيق في «الفاينانشال تايمز» بـ«الغرب الصغير» الذي يواجه النظام العالمي القديم، ويقصد هنا ممانعة الدول الأوروبية لقرار الحرب وتبعاته، وصولاً إلى الدخول في أي مغامرة خارج إطار القانون، وهو ما يستدعي السؤال الأهم: هل هذا النموذج حكر على أوروبا؟ وهل يمكن لمنطقتنا، خصوصاً مع مشروع التنمية والاستقرار الذي تتبناه السعودية ودول الاستقرار، أن تبني مثل هذا التحالف الممانع لتجاوز القانون الدولي وحالة العسكرة بلا استراتيجيات واضحة، وبرنامج واقعي لليوم التالي؟
الاجتماع السعودي - التركي - المصري - الباكستاني لخفض التصعيد أعطى مؤشراً مهماً يتجاوز مسألة تهدئة انهيار الأوضاع، إلى لعب دور الضامن الإقليمي الذي يحرص على تأسيس تسويات مستدامة تقدِّم الاقتصاد على الآيديولوجيا، والتنمية على الشعارات، ومشاريع التقسيم والأذرع إلى احترام السيادة.
السعودية ومعها هذه الدول الوازنة أثبتت أنها تمتلك مقومات تؤهلها للعب دور محوري في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية، وتقديم ضمانات إقليمية ضمن إطار تفاوضي شامل يعالج أزمات المنطقة المتداخلة من غزة إلى اليمن، ومن أفغانستان إلى القرن الأفريقي، يتجاوز الاختلافات ولا يلغيها، لكن يسعى إلى حالة أمن تفاوضي وتكامل اقتصادي وتنموي.
الخلل اليوم في مقاربات الحل في المنطقة وكل المسارات التفاوضية ليس في طبيعة الأطراف التي تفاوِض، وإنما في تجاهل دول الإقليم التي تدفع ثمن كل تصعيد، رغم أنها لم تُستَشر في قرار الحرب، والأسوأ ألا تكون جزءاً من الترتيبات النهائية لأي تسوية، وهو ما يعني أن الاتفاقات الناتجة عن هذا التجاهل لا يمكن أن يُكتب لها الصمود؛ لأنَّها تفتقد عنصر الاستدامة الشرعية المحلية، والمصلحة الإقليمية المشتركة، وبلغة السياسة تفتقد الواقعية.
خلاصة القول، إن القوة ربما كانت ضرورية، لكن ليس لخلق الفوضى، وإنما لصناعة صيغة تفاوضية قادرة على تحويل القوة إلى مكتسبات سياسية قابلة للاستمرار.
