د. عبد المنعم سعيد
عضو مجلس الشيوخ المصري حالياً، ورئيس مجلس إدارة «مؤسسة المصري اليوم» الصحافية في القاهرة، ورئيس اللجنة الاستشارية لـ«المجلس المصري للدراسات الاستراتيجية»، وسابقاً كان رئيساً لمجلس إدارة «مؤسسة الأهرام» الصحافية، و«مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية»، و«المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية»، وعضو مجلس الشورى المصري. كاتب في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ عام 2004، و«الأهرام» و«المصري اليوم»... وعدد من الصحف العربية. أكاديمي في الجامعات والمعاهد المصرية، وزميل زائر في جامعة «برانديز» الأميركية، ومؤلف للعديد من الكتب.
TT

السلام من فم الحرب؟

استمع إلى المقالة

قبل أسبوع، وقت كتابة المقال، كانت دورة الحرب والسلام في الحرب على إيران قد دارت في اتجاه استبعاد الهجوم الأميركي المتوقع على إيران، والذي نعرف بعد ذلك، على لسان القيادة الأميركية، أنَّ حدوثه كان مع فجر اليوم التالي. هل كان ذلك صادقاً أم لا، ليس مهماً بعد تكرار الواقعة: التهديد بالحرب وبعدها يأتي قرب السلام. الرئيس الأميركي جعل من الحديث عن الحرب والهروب منها نوعاً من المهارة التي تدفع السخونة في عروق التطرف الإيراني، فيقدِّم الأميركيون ما يُعلم أنهم سوف يرفضونه؛ بينما يتفاعل الرئيس ترمب مع الأمر فيُقدِّم ما يعرف تماماً أن الإيرانيين سوف يرفضونه. هذه النوعية من الإيقاع كافية تماماً للأسواق الدولية التي ترتفع فيها أسعار النفط وتنهار؛ وترتفع فيها أثمان العملات خصوصاً وتنخفض.

مئات من السلع المرتبطة بالنفط من «الهيليوم» إلى «الكبريت» تنقلت بين أسعار مختلفة، ولكنها في كل الأحوال تفضي إلى خسائر قياسية. الأزمة الاقتصادية والاستراتيجية الدولية تكفي لكثير من الاضطراب في سوق السياسة العالمية؛ وهو اضطراب يكفي لتوسيع الحرب التي بدأت بين إسرائيل والولايات المتحدة من ناحية، وإيران من ناحية أخرى.

الأصل في الأمور أنَّ السلام يظهر من فم الحرب كل مرة، حتى كان استخدام القنبلة الذرية في هيروشيما وناغازاكي من أجل وصول الحرب إلى نهاية، ومن بعدها تقوم الصداقة الأميركية - اليابانية.

حرب الخليج الثانية وقوامها كان احتلال العراق (صدام حسين) للكويت، فتحت العيون على أنه لا توجد حرب في إقليم الشرق الأوسط من دون أن تطل على الصراع العربي - الإسرائيلي حتى ولو كانت دولة عربية تعتدي على دولة عربية أخرى. ومع نهاية الحرب لم يُعقَد مؤتمر كبير لإنهاء الحرب، أو تصفية المسائل المعلقة، وإنما جرى عقد مؤتمر مدريد لحل الصراع التعيس بين العرب والإسرائيليين. كل القوى العظمى في العالم كانت حاضرة، وكان الجميع بين العرب حاضرين، وجرت مفاوضات ثنائية وأخرى متعددة الأطراف. كانت الدبلوماسية على أشدها؛ ومعها كانت عمليات الاستيطان لا تتوقف؛ أما الاستعداد لإحباط السلام فقد زاد من بعد السلام الإسرائيلي - الأردني، وتوقيع اتفاق أوسلو الذي أقام السلطة الوطنية الفلسطينية الأولى على الأرض الفلسطينية في التاريخ؛ وكلاهما لم يمنع لا اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين؛ ولا العمليات الانتحارية الحمساوية التي تلت ممارسة السلطة الوطنية سلطاتها.

كل ما سبق فيه قدر كبير من التشاؤم حول المستقبل، ولكن الكاتب الإسرائيلي غيرشون باسكين له وجهة نظر أخرى متفائلة، وفي موقعه الإلكتروني ما يلي: «للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، أعتقد أنَّ السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين قد يكون أقرب بكثير مما يتخيّل معظم الناس. ليس لأن (حماس) تغيّرت، ولا لأنَّ الاحتلال انتهى، بل لأن المشهد الاستراتيجي في الشرق الأوسط قد تغيّر بصورة جذرية»... بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وبعد قضية الرهائن، والحرب في غزة، والتوسع الاستيطاني الهائل والتطهير العرقي الجاري في الضفة الغربية، يبدو هذا الكلام بالنسبة إلى كثير من الإسرائيليين والفلسطينيين ضرباً من الخيال. فمعظم الإسرائيليين لم يعودوا يؤمنون بأن الفلسطينيين شركاء حقيقيون للسلام، ومعظم الفلسطينيين لم يعودوا يعتقدون أن إسرائيل تنوي إنهاء الاحتلال أو السماح بقيام استقلال فلسطيني حقيقي. ومع ذلك، فخلف الصدمة واليأس، أصبحت أسس التسوية السياسية الإقليمية أكثر نضجاً اليوم مما كانت عليه في أي وقت منذ سنوات أوسلو.

إن معالم السلام معروفة منذ زمن طويل: دولتان على أساس حدود عام 1967 مع تبادل متفق عليه للأراضي، وترتيبات أمنية تضمن أمن إسرائيل وسيادة فلسطين، والقدس عاصمة للدولتين، وضمانات إقليمية. نحن لا نعاني من نقص في المعرفة الدبلوماسية، بل من نقص في الشجاعة السياسية.

ما يراه الكاتب مصدر الشجاعة السياسية أن الشرق الأوسط عام 2026 ليس هو شرق أوسط الماضي. فالسعودية ودول الخليج ومصر والأردن ولبنان وسوريا والمغرب، جميعها تمتلك مصالح استراتيجية في التكامل الإقليمي والتنمية الاقتصادية والتعاون الأمني. وهناك إدراك متزايد بأن إعادة إعمار غزة والاستقرار في المنطقة لا يمكن أن يتحققا من دون أفق سياسي للفلسطينيين. مفتاح تحقيق هذه المعادلة الذهبية هو الانتخابات المقبلة في إسرائيل التي يعرضها كما لو كانت ليست حلاً فقط للعرب وإنما للإسرائيليين أيضاً الذين بات عليهم الاختيار ما بين نتنياهو واستمرار الحرب، وفرص السلام الممكنة لمنطقة باتت تشتاق إلى فرصة للبناء والتعمير والتَّقدُّم.

القضية تفتح الطريق لكثير من التفكير والفكر الذي يسعى في الترجمة العملية إلى طريق ليس فقط لتقرير المصير الفلسطيني وإنما مصير الأمن الإقليمي والتنمية المشتركة لمصير إقليم عانى الكثير.