طارق الشناوي
ناقد سينمائي، وكاتب صحافي، وأستاذ مادة النقد بكلية الإعلام في جامعة القاهرة. أصدر نحو 30 كتاباً في السينما والغناء، ورأس وشارك في لجان تحكيم العديد من المهرجانات السينمائية الدولية. حصل على العديد من التكريمات، وقدم أكثر من برنامج في الفضائيات.
TT

أرقام الشباك... لعبة أم لعنة؟

استمع إلى المقالة

المخرج العالمي جيمس جراي، الذي تم تكريمه في «مهرجان لوكانو» بجائزة «إنجاز العمر»، أكد أنه لا يزال أمامه أحلام فنية متعددة، ولم يخشَ قَطّ من الذكاء الاصطناعي وتغلغله في السينما. الإبداع في عمقه سيظل بمنأى عن الاستنساخ. الوجدان مستحيل اصطناعه. ما استوقفني أيضاً في حديث المخرج هو تناوله الأرقام، التي من الممكن لو استسلمنا لها أن تتحول من نور يضيء الطريق إلى نار تحرق معالم الطريق.

اتسعت الدائرة وأنا أطل على حديث الأرقام؛ فهي تشكل، مع اختلاف الدرجة، مأزقاً أمام كل المبدعين. المنطقي أن الكاتب الروائي الذي حققت روايته مثلاً 5 آلاف نسخة، ينتظر أن يعلو الرقم في الرواية الثانية إلى 10 آلاف. والنجم الذي حقق فيلمه مليون دولار، ينتظر أن يقفز للضعف في الثاني. والمطرب الذي وصلت تذكرته في الحفل إلى ألف ريال، يترقب أن يرتفع الرقم في حفله التالي إلى ألفَي ريال... وهكذا.

كل هذا يبدو إيجابياً ومنطقياً، إلا أن الوجه الآخر للصورة ألا نصبح بصدد «سباق الحواجز»؛ إذ نجد اللاعب مجبراً على خوضه، وفي كل قفزة عليه أن يعلو عن الرقم السابق. من هنا يأتي المأزق؛ لأنه من الممكن أن يتعثر ويسقط.

أتذكر مثلاً أن الفنان الكبير عادل إمام، الذي كان منذ منتصف الثمانينيات يُعرض عليه أغلب ما يُكتب من السيناريوهات في السينما المصرية وينتظر توقيعه، كان يتحمس أحياناً لعمل فني إلا أنه يخشى من المغامرة، خوفاً من ألا يُقبل عليه الجمهور، وفي هذه الحالة لو راوده شيء من الشك كان يعتذر فوراً. حدث ذلك مثلاً مع فيلم «الكيت كات» للمخرج داود عبد السيد، فأُسند دور البطولة (الشيخ حسني) بعد اعتذار عادل إلى محمود عبد العزيز، فصار هو أكثر أدوار محمود جماهيرية، واحتل هذا الفيلم المركز الثامن في الاستفتاء الذي أجراه «مهرجان دبي» لأفضل الأفلام العربية.

أتذكر أن عادل اعتذر بعدها أيضاً للكاتب وحيد حامد والمخرج شريف عرفة عن بطولة فيلم «اضحك الصورة تطلع حلوة»؛ لأنه كان يخشى من ألا يحقق نجاحاً في الشباك، وتم إسناد دور مصور الفوتوغرافيا (سيد غريب) إلى أحمد زكي، وقال لي وحيد حامد معقباً: لو وافق عادل على البطولة كان سيحقق أرقاماً أكبر في شباك التذاكر. مع الزمن، فإن الفيلم عند عرضه في الفضائيات، ثم على المنصات، صار فيلماً جماهيرياً، وجزء من الحوار الآن هو الأشهر بين الناس، خاصة الذي جمع بين أحمد زكي وسناء جميل.

عادل إمام مثلاً لم يكن يمنح فيلمه «الحرّيف» مكانة على خريطته الفنية، رغم أنه من أكثر الأعمال التي أشاد بها الجمهور، كفن أداء ممثل، كما أن كُثراً من النقاد يعتبرون «الحرّيف» من بين أهم خمسة أفلام شارك فيها عادل طوال تاريخه (126 فيلماً). بسبب ضعف أرقام الشباك لم يكتفِ فقط عادل بعدم تكرار التجربة مع مخرج الفيلم محمد خان، ولكنه أيضاً لم يشارك في أي فيلم أخرجه هذا الجيل من المخرجين، الذين كنا نطلق على منهجهم «الواقعية السحرية»، وأعني بهم، بالإضافة إلى خان، كلاً من عاطف الطيب وداود عبد السيد وخيري بشارة.

الأرقام «ترمومتر» ترشدنا إلى معالم الطريق، على شرط ألا تتحول إلى سد منيع يحول دون المغامرة. إنها نور ونار، لعبة رائعة حيناً، ولعنة قاتلة حيناً.