د. جبريل العبيدي
كاتب وباحث أكاديمي ليبي. أستاذ مشارك في جامعة بنغازي الليبية. مهتم بالكتابة في القضايا العربية والإسلامية، وكتب في الشأن السياسي الليبي والعربي في صحف عربية ومحلية؛ منها: جريدة «العرب» و«القدس العربي» و«الشرق الأوسط» اللندنية. صدرت له مجموعة كتب؛ منها: «رؤية الثورات العربية» عن «الدار المصرية اللبنانية»، و«الحقيقة المغيبة عن وزارة الثقافة الليبية»، و«ليبيا بين الفشل وأمل النهوض». وله مجموعة قصصية صدرت تحت عنوان «معاناة خديج»، وأخرى باسم «أيام دقيانوس».
TT

الإسلام السياسي وسجن ليبيا في المربع الأول

استمع إلى المقالة

رغم وضوح معالم المبادرة التي تقدَّم بها كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، لحلحلة الأزمة السياسية في ليبيا، فإنَّها واجهت عاصفة من التجاذبات والمماحكات والملاسنات بين القبول والرفض المطلق، دون حتى فهم ولا حتى قراءة عناصرها، رغم أنها أشركت لأول مرة الأطراف الفاعلة على الأرض؛ حيث تنصُّ المبادرة على تقاسم السلطة بين طرفي الصراع السياسي في ليبيا.

مبادرة بولس تتضمن 3 مسارات، هي: أولاً تعزيز التكامل بين المؤسسات العسكرية وقوات الأمن الليبية المختلفة، وثانياً تعزيز التعاون السياسي بين الشرق والغرب والجنوب، وثالثاً إدارة شفافة وخاضعة للمساءلة واقتصاد ليبي أكثر وحدة، ما ينعكس في توحيد الصرف وميزانية البلاد التي كانت منقسمة أكثر من 10 أعوام ونيف. في حين قال مسعد بولس: «مستقبل ليبيا مرهون بالتقدم في 3 ملفات، وأي مبادرة سياسية يجب أن تشمل تحالفاً واسعاً من الفاعلين».

تحرك الشارع الليبي بتقبُّل بعضه للمبادرة؛ حيث رأى فيها خلاصاً من الجمود السياسي ونقلة نوعية بإشراك الفاعلين في الأزمة على طاولة واحدة وحكومة ورئاسة مشتركة بينهم، في حين عارضها آخرون برفض مطلق وصل لدرجة التهديد باستخدام السلاح والقتال رفضاً للمبادرة. ولعلَّ اللافت للنظر أنَّ رفض المبادرة ليس له علاقة بجوهرها، بقدر ما يرتبط بخوف بعض القوى من نتائجها، وبعضه يعود إلى دوافع آيديولوجية يمثلها تيار المفتي المعزول (تيار جماعة «الإخوان») الذي يعتبر المؤسسة العسكرية الموحدة خطراً وجودياً على مشروع الفوضى الذي يتبنَّاه تيار الإسلام السياسي، والذي يقتات ويسترزق من الفوضى التي تمكنه من البقاء والسيطرة، من خلال ميليشيات يحركها لتنفيذ أجندته.

ولعلَّ من أسباب الرفض المطلق هو معارضة قادة الميليشيات المؤدلجة والانتهازية، التي يحركها الإسلام السياسي كيفما يشاء تحت مظلة قوى خارجية معروفة والتي سيسقط مشروعها الانتهازي النفعي بمجرد قيام الدولة ومؤسساتها، وخصوصاً الجيش الليبي المتمثل في القيادة العامة له التي أثبتت قدرة عالية وانضباطية في تحقيق الأمن والاستقرار في المناطق التي تحت سيطرة القوات المسلحة العربية الليبية، شرقاً وجنوباً، وفي أجزاء كبيرة من الغرب الليبي باستثناء العاصمة طرابلس التي لاتزال رهينة سيطرة الميليشيات المتنوعة، بين مؤدلجة وأخرى نفعية إجرامية، تمارس الابتزاز السياسي وتستخدم بنادق مستأجرة.

ومن الأسباب التي تغذي رافضي المبادرة ويسوِّقون لها: تكريس مركزية السلطة والثروة؛ حيث ترى مجموعات نافذة أن الحل السياسي المقبل قد يقوم على خلل في معادلة التوزيع العادل للثروة ومشاريع التنمية، وقد يمنح امتيازات لمناطق دون أخرى؛ بل وهناك من يرى أن تبقى تلك الامتيازات لمدن دون سواها، وكأنها مدن غالبة وأخرى مغلوبة في الحرب.

ما يحدث اليوم يؤكد أنَّ المعركة في ليبيا ليست سياسية فقط؛ بل هي معركة بين مشروع الدولة ومشروع الفوضى، وهذا واضح جلي في البيانات التي خرجت من مدن كمصراتة والزاوية، ترفض ما تسميها «صفقة بولس» في تقاسم السلطة، ويطرحون بدلها إجراء الاستفتاء على الدستور، وإجراء انتخابات برلمانية جديدة، ومن خلالها تشكيل حكومة جديدة، في حين فشلوا سنين كثيرة في تحقيق هذا؛ بل ورأى المعارض لهم أنها بيانات لمصالح نفعية خاصة، وليست من منطلق وطني يرفض التدخل والوصاية الخارجية؛ خصوصاً أنها صدرت من شخصيات كانت حليفة سابقة للقوى الخارجية التي أسقطت الدولة الليبية عام 2011 بالتحالف مع «الناتو»، وبالتالي لا يحق لها الحديث عن السيادة الوطنية المفقودة في الأصل بسبب تهاونهم وتحالفهم المسبق والاستقواء بالخارج.

وفي ظل هذا التجاذب والخلاف والاختلاف على رؤية الحل المطروحة في صيغة «مبادرة بولس»، قد يكمن الحل في اجتماع القبائل الليبية، المكوِّن والممثل السياسي الحقيقي للشعب الليبي، حتى ولو بصيغة «اللويا جيركا» للخروج من مأزق الخلاف وفوضى الميليشيات التي تعصف بالبلاد، بعد غرقها أو إغراقها في مستنقع الخلافات، بعيداً عن هم الوطن والمواطن، في ظل غياب الأجندة الوطنية وتغليب أخرى خارجية لتعلو.

الاستمرار في حالة رفض أي مبادرة حل واعتبارها أجندة خارجية وتخوين المشاركين فيها، يعتبر حالة من الرفض المطلق دون مبررات حقيقية؛ خصوصاً في ظل القبول باستمرار الفوضى والجمود السياسي. هي حالة من الفصام العقلي السياسي، فالأزمة الليبية تتفاقم مع اللاءات لمنع الانتخابات في المدى القريب، أو ربما لا تحدث انتخابات أبداً، وتستمر المراحل الانتقالية وصراع الشرعيات. وهكذا أرادت وأجمعت واتفقت السلطات الثلاث (البرلمان، ومجلس الدولة الاستشاري، والحكومتان) ومن يملكون القرار في ليبيا، لنعود إلى المربع الأول للبقاء فيه للأبد.