جوليانا ليو
بالاتفاق مع «بلومبرغ»
TT

أسلحة الصين الفتاكة ما زالت تنتظر أسواقها

استمع إلى المقالة

أعاد نزاعان عسكريان، وقعا بفارق أقل من عام، تسليط الضوء على آفاق الصين باعتبارها مصدراً للسلاح. ومع ذلك، فإنه حتى مع عرضٍ تجاري مغرٍ قائم على تكنولوجيا متقدمة، وأسعار منخفضة، وسياسة «عدم طرح الأسئلة»، ستواجه البلاد صعوبة في إيجاد سوق واسعة، خارج مجموعة محدودة ومركّزة من العملاء الحاليين.

اليوم، وبعد عقود من الاستثمار، تأتي الصين ضمن الخمسة الأوائل عالمياً في بيع المعدات العسكرية، في صناعة تحقق أرقاماً قياسية متتالية، وذلك بحسب معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام، وهو جهة بارزة في تتبع مبيعات الأسلحة. ومع ذلك، فإن هذه القوة الصاعدة لم تخض حرباً كبرى منذ ما يقرب من نصف قرن، ما يجعل أسلحتها إلى حد كبير غير مُجرَّبة في حروب العصر الحديث. واللافت أن حصة بكين من صادرات السلاح، لم تشهد سوى نمو طفيف للغاية.

بوجه عام، لم تتغير حصة الصين من مبيعات الأسلحة عالمياً إلا قليلاً، بحسب قاعدة بيانات مبيعات الأسلحة التابعة لـ«معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام» ـ مارس (آذار) 2026.

وهنا تحديداً تكمن أهمية الاشتباك، الذي اشتعل العام الماضي، بين الهند وباكستان عقب هجوم كشمير؛ إذ شكّل أول مؤشر على كيفية مقارنة التكنولوجيا العسكرية الصينية، بالأنظمة الغربية التي خضعت لاختبارات ميدانية.

من جهتها، أعلنت باكستان أنها استخدمت مقاتلات من طراز «جيه - 10 سي» صينية الصنع، لإسقاط طائرات حربية هندية مورَّدة من دول من بينها فرنسا، التي يصنفها المعهد باعتبارها ثاني أكبر مُصدّر للأسلحة في العالم بعد الولايات المتحدة. وبالفعل، أقرت نيودلهي في النهاية بفقدان طائرة واحدة، على الأقل.

ومع ذلك، لم يكن الحكم على المعدات العسكرية الصينية حاسماً؛ إذ إن أربعة أيام من صراع متوسط الحدة لم توفر سوى قدر محدود من المؤشرات، حول جودة هذه المعدات وقدرتها على الصمود. ومع ذلك، فقد وضعت تلك المواجهات أنظمة الأسلحة الصينية في دائرة الضوء - اهتمام لم يخفت منذ ذلك الحين.

اليوم، تتجه الأنظار إلى حجم الدعم الملموس، الذي ربما تقدمه بكين لإيران، شريكها الاستراتيجي، خلال صراعها الجاري مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ورغم غياب أدلة على نشر أسلحة صينية بشكل مباشر، تشير وزارة الدفاع الأميركية إلى أن لبكين سجلاً في تصدير تقنيات مزدوجة الاستخدام؛ مدنية وعسكرية، خصوصاً مكونات لبرامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.

هذا أمر لا يخلو من أهمية، لأن الطائرات المسيّرة الإيرانية استُخدمت في ضرب منشآت عسكرية أميركية، وبنية تحتية للطاقة، وأهداف مدنية في الشرق الأوسط. كما يعتقد بعض خبراء الاستخبارات أن إيران قد تستخدم نظام ملاحة صينياً على صلة بالأقمار الاصطناعية. ومع ذلك، فمن المرجح أن يكون هذا النوع من الدعم قد جرى تقديمه بالفعل قبل اندلاع الأعمال القتالية الحالية. أما دعم بكين لطهران خلال النزاع، فقد اقتصر في معظمه على الجانب الاقتصادي.

في الواقع، تشكل استراتيجية الصين القائمة على تجنّب التورط في صراعات عسكرية، والامتناع عن تقديم التزامات أمنية مُلزمة، أحد الأسباب التي تجعل من الصعب عليها اختراق سوق تصدير السلاح بقوة؛ فالدول لا تشتري المعدات فحسب، بل تشتري كذلك علاقات وشراكات، حسبما شرح لي سيمون ويزمان، الباحث البارز في «معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام». وعليه، فإن تردد بكين في دعم شركائها - مثل إيران وفنزويلا، اللتين تعرضتا لهجمات أميركية هذا العام - يشكل عقبة أمام قدرتها على جذب عملاء جدد.

بوجه عام، تذهب معظم صادرات الصين العسكرية إلى جارتها في جنوب آسيا. وتعتمد طموحات بكين التصديرية إلى حد كبير على دولة واحدة فقط؛ فباكستان، التي تصفها الصين بأنها «أخٌ حديدي»، استحوذت على 80 في المائة من وارداتها من الأسلحة من بكين خلال الفترة من 2021 إلى 2025، مقارنة بـ73 في المائة في السنوات الخمس السابقة، بحسب بيانات المعهد. وتتضمن هذه المشتريات طائرات مقاتلة متقدمة، وصواريخ ورادارات وأنظمة دفاع جوي، مدفوعة بالمنافسة الطويلة بين إسلام آباد ونيودلهي.

تتأثر سوق السلاح العالمية، على نحو كبير، بسياسات واشنطن، وكيفية استجابة الدول لها. قبل عشرين عاماً، كانت واشنطن وبكين تستحوذان على حصص متقاربة من واردات باكستان من السلاح. إلا أن العلاقة مع واشنطن تدهورت قبل أكثر من عقد، ما أفسح المجال لبكين لملء هذا الفراغ.

وبالتالي، فإن النمو المتواضع في الصادرات الصينية من الأسلحة خلال السنوات الخمس الماضية، يُعزى تقريباً بالكامل إلى زيادة الطلب من باكستان، التي ارتفعت وارداتها بنسبة 66 في المائة خلال تلك الفترة، وفق بيانات المعهد.

وبعد ذلك الاشتباك، أعلنت إسلام آباد زيادة ميزانيتها العسكرية بنسبة 20 في المائة. وقد يساعد هذا الارتفاع في تفسير الأداء القوي لشركة «أفيك تشنغدو لصناعة الطائرات»، المصنعة للمقاتلة «جيه ـ 10 سي»، التي سجلت أرباحاً قياسية، العام الماضي، وكادت تضاعف مبيعاتها في الربع الأول من عام 2026.

ورغم أن للصين عشرات العملاء الآخرين، فإن هذه العلاقات أصغر بكثير.

ومع ذلك، لا ينبغي التقليل من إمكانات الصين باعتبارها مُصدّراً للأسلحة؛ فهي من بين عدد قليل من الدول خارج الولايات المتحدة التي تمتلك صناعة دفاعية متكاملة تغطي جميع المراحل، لكن قدرتها على بيع الأنظمة العسكرية لا تزال أقلَّ بكثير من تفوقها في قطاعات صناعية أخرى؛ مثل السيارات والسفن والبطاريات. كما أنها تفتقر إلى ساحة مناسبة لاختبار وتطوير معداتها في ظروف قتال حقيقية.

ولتعزيز تسويق منتجاتها، ينبغي للصين توسيع نطاق المناورات العسكرية المشتركة، ومواصلة عرض طائراتها المقاتلة في المعارض الدفاعية الدولية. ومع ذلك، ستواجه صعوبة في الاستحواذ على حصة كبرى من سوق السلاح العالمية، ما لم تتمكن كذلك من بيع «علاقات» أو شراكات استراتيجية، وليس مجرد معدات.

* بالاتفاق مع بلومبرغ