العالم وأوكرانيا... سيناريو «اليوم التالي»

العالم وأوكرانيا... سيناريو «اليوم التالي»

السبت - 26 جمادى الآخرة 1443 هـ - 29 يناير 2022 مـ رقم العدد [15768]
إميل أمين
- كاتب مصري

في الوقت الذي تنقل فيه روسيا المئات من دباباتها ومدافعها وصواريخها من مناطق بعيدة مثل سيبيريا إلى الحدود الأوكرانية؛ تحسباً للأسوأ الذي لم يأتِ بعد، تتلقى موسكو ما يمكن وصفه بالرد البارد من الولايات المتحدة والناتو على خطط الضمانات الأمنية التي قدمها الروس؛ حفاظاً على حضورهم ووجودهم التاريخي.
رجل الخارجية الروسية العتيد، خليفة أندري غروميكو، سيرغي لافروف وفي أول تعليق على الردود الخطية الأميركية، ذهب إلى أنها تحيي الأمل في حوار جدي، لكن من حول القضايا الثانوية فقط، أما الرئيسية فلم يرد بشأنها ما يطمئن البلاد والعباد، إن جاز التعبير.
الناطق باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف بدوره لم يفترق كثيراً عن صاحبه، مضيفاً أنه ليس هناك دواعٍ كثيرة للتفاؤل بشأن الرد على المبادرة الروسية.
عند القيصر بوتين تجتمع الآن الخيوط وتتوالى الخطوط، وفي حين الرد الروسي الرسمي يتحدث عن الحاجة إلى وقت لدراسة موقفي الناتو والولايات المتحدة، يصل عدد كتائب الجيش الروسي بالقرب من الحدود الأوكرانية إلى نحو 66 كتيبة تكتيكية.
ما الضمانات التي يريدها القيصر؟
ثلاث نقاط رئيسية يمكن وضع عشرات السطور من خلفها:
- عدم تمدد حلف الناتو.
- استبعاد انتشار أنظمة هجومية قادرة على إصابة أهدافها في أسرع وقت بالقرب من حدود روسيا.
- عودة حلف شمال الأطلسي إلى خطوط كان عندها حتى عام 1997.
إلامَ يستند الدب الروسي في مطالبه الأمنية المتقدمة؟
بحسب لافروف، فإن الغرب قدّم إلى موسكو في أوائل التسعينات تعهدات بأن الناتو لن يتقدم شبراً واحداً شرقاً، وهناك وثائق مبرمة ضمن منظمة الأمن والتعاون الدولي في أوروبا، منها وثيقة إسطنبول 1999، وإعلان آستانا 2010.
الوثيقتان المرجعيتان بالنسبة لروسيا، تلزمان الموقّعين عليهما بمبدأ الأمن غير القابل للتجزئة، والذي يربط بين حق الدول في بناء تحالفات، وبين ضرورة مراعاة الدول الأعضاء في المنظمة للمصالح الأمنية لبعضها البعض.
هل واشنطن رأس حربة الناتو يمكن أن تقبل بمشروعية الضمانات الأمنية الروسية؟
بعيداً عن مدى الإلزام القانوني، حيث القوة تجبّ أي معاهدات وتعهدات، والسوابق تاريخياً عديدة، فإنه من الواضح والصريح، وإن كان للروس غير مريح، أن واشنطن لن تفعل، وهذا ما تبدّى في التصريحات العلنية والرسمية التي فاهت بها نهار الأربعاء الماضي في العاصمة الأوكرانية، كييف، ويندي شيرمان، النائبة الأولى لوزير الخارجية الأميركي بلينكن.
«لقد قلنا لروسيا بكل وضوح، لا يمكنكم الحسم بشأن العضوية في الناتو، فهذا القرار لا يعود إليكم، بل إلى أعضاء الناتو، لا تملكون حق القرار في أن جميع الأسلحة الهجومية يجب أن تغادر أوروبا»... هكذا تحدثت شيرمان.
الجواب المتقدم يحمل على وجه اليقين موقفاً للناتو يرفض فيه رجوع الوقت إلى الوراء، أي إلى العام 1997، فلا معنى لتراجع دول انضمت إلى الناتو منذ ذلك الوقت، ومنها رومانيا وبلغاريا، اللتان طالبت موسكو بانسحاب قوات الأطلسي منهما، في تصعيد واضح للمطالب، ومحاولة الحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب اللوجيستية في الصراع الجيوسياسي القائم.
ويبقى التساؤل ثم ماذا إذا استمر حوار الطرشان بين الجانبين، وهل سيفوّت الكرملين الأسابيع القليلة المتبقية من زمن الشتاء الروسي، وقبل أن يذوب الجليد مع بدايات الربيع في مارس (آذار) المقبل؟
تحليلات خبراء الاستخبارات الأميركية يرجحون أنه حال سادت أجواء الانسداد بين الطرفين، فإن الروس سيقومون بتحريك المشهد عسكرياً، وغالباً ما ستكون الخريطة التي نشرتها الاستخبارات العسكرية الأوكرانية في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي هي المرجح حدوثها، بوصفها تعبيراً عن «أسوأ حالة»، وفيها ستقوم القوات الروسية بعبور الحدود الأوكرانية من الشرق، والهجوم من شبه جزيرة القرم، مع هجوم برمائي على أوديسا في الجنوب، وهجوم من بيلاروسيا في الشمال.
لكن ماذا عن ماورائيات ذلك الهجوم، وهل هو غزو شامل كامل أم عملية عسكرية محدودة؟
الجواب يبقى ضمن أطر الغموض المحدقة بالمشهد الأوكراني دفعة واحدة، حتى وإن أنكرت روسيا رسمياً نيتها القيام بعمل ما.
وفي كل الأحوال تظل مخاوف ما يعرف بسيناريو اليوم التالي لأي عمل عسكري، هي الهاجس الكبير المهدد للأمن والسلم العالميين، وبخاصة إذا تناسى أحد الطرفين أو كلاهما، ما يعرف بـ«ميزان الانتباه العسكري»، لا سيما أن شحنات ضخمة من أسلحة أميركية متقدمة، وبعض من الأوروبية، قد وصلت إلى القوات المسلحة الأوكرانية؛ الأمر الذي يدفع اليد الروسية المميتة لاستعراض قدراتها الكبيرة والخطيرة دفعة واحدة، ومع احتمالات كارثية لتدحرج كرة النار، وإمكانية تحول المشهد من عملية محدودة إلى حرب واسعة.
ولعله من بين سيناريوهات اليوم التالي، تأثر القارة الأوروبية أول الأمر على صعيد الطاقة، وهي المسألة التي تسارع واشنطن الزمن لإيجاد حلول لها، وهنا فإنه ليس سراً أن البيت الأبيض يراهن على قدرات قطر على تزويد الأوروبيين بالغاز المسال حال أقدم بوتين على تخفيض أو وقف تصدير الغاز لأوروبا.
غير أن عدداً من خبراء الطاقة العالميين يرون أنه ولو وجهت قطر جميع إمدادات الغاز الطبيعي المسال إلى الاتحاد الأوروبي، فسيكون حجمها دون ما توفره شركة «غاز بروم» الروسية.
كيف سيضحى مشهد أسعار الطاقة حول العالم، في اليوم التالي، وما الارتدادات المتوقعة على أحوال التضخم المالي حول العالم، وأحوال أسواق المال.
هل هي الحرب الكبرى التي يتوقع أن تشهدها أوروبا من جديد؟
اللحظة مفصلية بين أحلام السلام العالمي وأطماع التمدد شرقاً.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو