تشتعل السماء بنيران الحرب في الخليج، وتقفز أسعار النفط والغاز إلى مستويات قياسية، فيما تطالب أسواق السندات بعوائد أعلى على ديون المملكة المتحدة المتضخمة. فهل يشعر كير ستارمر بالقلق؟ على ما يبدو لا. فقد صرّح رئيس الوزراء الأسبوع الماضي قائلاً: «الاقتصاد البريطاني في وضع أفضل مما كان عليه لمواجهة هذه العاصفة. ومنذ الانتخابات عززنا مناعتنا الوطنية».
غير أن رسالة الطمأنة هذه سرعان ما نقضها نيك بتلر المسؤول السابق للاستراتيجية في شركة «بي بي» ومستشار رئيس الوزراء العمالي الأسبق غوردون براون، إذ قال لـ«بي بي سي» إن نقص الوقود والتقنين باتا احتمالاً متزايداً خلال الأسابيع المقبلة. وتقدّر شركة «إي دي إف» أن ارتفاع الأسعار قد يضيف نحو 300 جنيه إسترليني سنوياً إلى فاتورة الطاقة المتوسطة للأسر في بريطانيا، وهو عبءٌ يُتوقع أن تتدخل الدولة لتخفيفه. وفي خبر سيئ إضافي لحكومة حزب العمال غير الشعبية، فإن خفض أسعار الفائدة الذي طال انتظاره لمساعدة أصحاب الرهون العقارية المتضررين لم يعد مطروحاً حالياً.
تتيح الحروب لرؤساء الوزراء الظهور بمظهر رجل الدولة، لكن لا هدنة مضمونة على الجبهة الداخلية. فقد استمرت المناورات السياسية حتى خلال الحربين العالميتين في ظل حكومات ائتلافية بريطانية. ففي الحرب العالمية الأولى أُطيح بهربرت أسكويث بانقلاب داخلي، وفي نهاية الحرب العالمية الثانية كافأ الناخبون ونستون تشرشل على بطولاته بإخراجه من السلطة. وستارمر ليس استثناءً من هذه القاعدة.
صلابته الشخصية تخضع لاختبار واضح. فقد بدأت سلطته داخل الحزب تتآكل بالفعل عندما أُجبر رئيس مكتبه على الاستقالة بسبب تعيين بيتر ماندلسون، المقرب من الممول المدان جيفري إبستين، سفيراً في واشنطن. ومع غياب مورغان ماكسويني عن إدارة «داونينغ ستريت»، يُسحب رئيس الوزراء نحو اليسار حيث تميل قلوب معظم نواب حزب العمال. وفي الأسبوع الماضي، أطلقت نائبته السابقة أنجيلا راينر تحدياً علنياً لقيادته.
ففي حانة بوستمنستر، قالت أمام نواب من الجناح اليساري المعتدل وصحافيين يدونون ملحوظاتهم إن الحكومة «تنفد من الوقت» لتغيير المسار قبل أن تتجه نحو الهزيمة في صناديق الاقتراع. وأضافت أن الحزب بات يمثل «المؤسسة، لا الطبقة العاملة».
ومنذ استقالتها العام الماضي من الحكومة بسبب عدم دفع الضرائب المناسبة على مشترياتها العقارية (وكان منصبها الوزاري يشمل ملف الإسكان)، شرعت راينر في بناء صندوق مالي لدعم فريقها وحملاتها من خلال مشاركات خطابية مربحة. كما واصلت توجيه الانتقادات من الهامش في اللحظات الأكثر حساسية لرئيس الوزراء، فانتقدت خفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، وطالبت بنشر وثائق رسمية تتعلق بتعيين ماندلسون.
الأهم أنها عقدت اتفاق «عدم اعتداء» مع أندي برنهام، عمدة مانشستر الكبرى ومرشح الجناح اليساري المعتدل المفضل، الذي منعه ستارمر من الترشح للبرلمان، بالتالي من منافسته على زعامة الحزب. ويُعد برنهام داعماً مهماً لراينر في طرح مسار بديل لنهج ستارمر الوسطي المتردد.
تجمع راينر بين الطموح والدهاء، وقد ركزت هجومها الأسبوع الماضي على أضعف نقاط ستارمر: مقترحات وزارة الداخلية بمضاعفة مدة حصول المهاجرين على الإقامة الدائمة في بريطانيا، وهو إجراء يعارضه جناحا الحزب اليساري المعتدل والمتشدد. وكانت المرة السابقة التي تعرض فيها رئيس الوزراء لانتقادات بسبب استخدامه خطاباً شعبوياً حول الهجرة - عندما وصف البلاد بأنها «جزيرة من الغرباء» - قد اضطر حينها إلى الاعتذار.
هذه المرة تراجع ستارمر سريعاً، أو «خفف موقفه» كما يقول خبراء الاتصال السياسي. إذ قد تُعتمد «ترتيبات انتقالية» لتخفيف أثر سياسة وصفتها راينر بأنها «غير بريطانية» لأنها تعاقب المهاجرين الموجودين بالفعل. ولا يبدو أن شعبية هذا الإجراء لدى الناخبين من مختلف الأحزاب تقلق نواب العمال، الذين يسعون لاستعادة الناخبين التقدميين الذين انشقوا إلى حزب الخضر الصاعد.
ومع ذلك، هناك «مشكلة أنجيلا»: فحماسة نواب الحزب لها لا يشاركهم فيها الناخبون. وتشير استطلاعات داخلية إلى أن فشلها في دفع رسوم الدمغة بشكل كامل عند شراء منزلها يُنظر إليه كدليل على سلوك شخصي غير منضبط، شبيه بما ارتبط بحزب المحافظين.
حتى بعض زملائها الذين يقرون بحيويتها يشككون في قدرتها على القيادة في أوقات مضطربة. ورداً على ذلك، حاولت في مكالمة مع مستثمرين في «سيتي» نظّمها بنك «بي إن بي باريبا» طمأنة الأسواق بأنها لا تؤيد التوسع في الاقتراض. غير أن تصريحات برنهام بأن بريطانيا يجب ألا تكون «مرتهنة» لأسواق السندات أثارت قلق المتعاملين، خصوصاً في ظل ارتفاع أسعار الطاقة ومخاوف التضخم.
كما يزداد نفوذ إد ميليباند، وزير الطاقة من الجناح اليساري المعتدل. ففي يونيو (حزيران) الماضي رفض تغيير منصبه عندما طلب منه ستارمر ذلك، كما أن حماسه لتحقيق أهداف «صافي الانبعاثات الصفري» يتعارض مع أجندة النمو الحكومية. وبعد أن فرض المحافظون ضرائب أثقلت قطاع النفط والغاز في بحر الشمال، حظر ميليباند التنقيب في الحقول الجديدة. وبالرغم من أن أسعار الكهرباء في بريطانيا من بين الأعلى عالمياً، كرر ستارمر مؤخراً مواقف ميليباند عند سؤاله عن أمن الطاقة في ظل الحرب في الخليج.
كل ذلك يشير إلى إحكام اليسار قبضته على الحكومة. وفي مشهد سياسي يهيمن عليه قادة ذوو شخصيات قوية مثل نايجل فاراج زعيم «ريفورم يو كيه» وزاك بولانسكي زعيم الخضر، تبدو جاذبية راينر لنواب حزب العمال في ازدياد. لكنها في الوقت ذاته تبرز هشاشة مشروع ستارمر. ففي عهد قادة أقوياء سابقين مثل توني بلير وغوردون براون، لم يكن أحد ليجرؤ على مثل هذا التمرد العلني.
* بالاتفاق مع خدمة «بلومبرغ»
