روزا برينس
بالاتفاق مع «بلومبرغ»
TT

بريطانيا تُجرّ نحو مكان شديد البشاعة

استمع إلى المقالة

أصبح من الشائع القول إن «حزب الإصلاح البريطاني» قد غيّر نطاق الآراء المقبولة، والمقصود نطاق الآراء المقبولة لدى التيار السائد خلال فترة بعينها. وقد نجح الحزب، الذي يقوده نايجل فاراج اليميني المتشدد، بالفعل في تغيير مسار النقاش البريطاني حول الهجرة، تماماً مثلما أشعلت الأحزاب السابقة شرارة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وجاءت المكاسب هائلة؛ فمنذ تأسيسه قبل سبع سنوات فقط، ظل «حزب الإصلاح»، مهيمناً على السلطات المحلية الإنجليزية. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن فاراج في طريقه نحو منصب رئيس الوزراء في الانتخابات المقبلة.

ومن السهل نسيان أن «حزب الإصلاح» لا يزال لديه ثمانية أعضاء فقط في البرلمان. ويأمل الحزب في إضافة مقعد آخر، من خلال ثلاثة أسابيع في انتخابات فرعية في ماكرفيلد بشمال غربي إنجلترا. مثل هذا الفوز سيأتي بمنزلة انتصار مضاعف، لأنه سيكون على حساب عمدة مانشستر، آندي بورنهام، الذي يخوض الانتخابات على هذا المقعد، على أمل العودة إلى مجلس العموم، وخلافة كير ستارمر في منصب رئيس الوزراء عن «حزب العمال». الحقيقة أن هذه الانتخابات تمثل لحظة تاريخية في مسار السياسة البريطانية.

في المقابل، ربما تتعرقل طموحات «حزب الإصلاح» من حزب «استعادة بريطانيا»، المنافس الذي يتّبع مساراً مشابهاً، والذي استغلّ تحوّل خطاب فاراج، وعزّز موقفه في أقصى اليمين. هذا الأمر ليس خبراً سيئاً لـ«حزب الإصلاح» فحسب، بل إنّ انخراط «حزب استعادة بريطانيا» عبر وسائل التواصل الاجتماعي في ساحات الصراع الثقافي، مثل التغييرات المناخية والتماسك الاجتماعي، أمرٌ مُحبطٌ للغاية. وكما قال ييتس، إذا لم يصمد الوسط، فإنّ الأمور بأكملها ستتداعى.

وتكمن مشكلة تحطيم الرموز في صعوبة السيطرة على الأمر. وبعد أن طمس فاراج حدود المقبول، بات يُكافح الآن للحفاظ على موقفه. وكثيراً ما يخفق حزبه في حشد مؤيديه، للبقاء على الجانب الصحيح من العنصرية الصارخة. كما أنّ خصومه من اليسار المتشدد، مثل «حزب الخضر»، يفشلون باستمرار في الاختبار نفسه فيما يتعلق بمعاداة السامية.

الملاحَظ أنه في بعض الأحيان، عجز «حزب الإصلاح»، أو امتنع، عن استبعاد المرشحين الذين يعبرون عن آراء مقيتة تنطوي على تمييز جنسي، أو معاداة للسامية، أو تأييد لروسيا، أو كراهية للإسلام. أضف إلى ذلك، أنه لم يُبدِ حزماً كافياً في إدانة أعمال الشغب، التي تستهدف طالبي اللجوء. بمجرد الانخراط في هذا العالم البشع، ما الذي يمنع الناخبين المناهضين للهجرة من الانضمام كلياً إلى حزب «استعادة بريطانيا»؟

من جهته، يدافع الحزب الجديد عن نزعة وطنية بغيضة يطلق عليها «النزعة الأنغلوسكسونية الضيقة»، كانت تُعد في السابق مرفوضة، لكنها أصبحت الآن جزءاً من التيار السائد.

من جهته، يهاجم المؤسس روبرت لوي ومؤيدوه ما يسميه «الزحف المتواصل للإسلام المتطرف»، ولا يبدي اكتراثاً بوصمه من اليمين المتطرف أو شخص عنصري.

ويدافع حزب «استعادة بريطانيا» عن الترحيل الجماعي للمهاجرين غير الشرعيين، على غرار أتباع حركة «اجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، بمن في ذلك طالبو اللجوء. كما يقترح الحزب شن غارات لطرد ما يصل إلى مليوني رجل وامرأة وطفل على امتداد ثلاث سنوات. وعبر منشور على موقع «إكس»، قال لوي إن حكومة يقودها حزب «استعادة بريطانيا» ستفرض حظراً على البرقع، ومحاكم الشريعة، وزواج الأقارب، والذبح الحلال، والصلاة الجماعية، علاوةً على العمل عكس اتجاه الهجرة الجماعية، وترحيل الإسلاميين الأجانب، ووضع نهاية للإسلام السياسي.

جدير بالذكر أن حزب «استعادة بريطانيا» تأسس قبل ثلاثة أشهر فقط، ومع ذلك فاز بما بين 3 في المائة و6 في المائة من الأصوات خلال استطلاعات الرأي. قد لا تبدو هذه أرقاماً كبيرة. ومع ذلك، فإنها كافية لأن تثير قلق «حزب الإصلاح». وبالفعل، فقد الحزب الذي يقوده فاراج بالفعل واحداً من كل ثمانية مؤيدين لصالح الحزب الصاعد، حسب تقديرات جون كيرتيس، المعنيّ باستطلاعات الرأي.

وفي ظل المشهد السياسي البريطاني المتشظي والمتبدل باستمرار الآن، حلَّت خمسة أحزاب وطنية قادرة على المنافسة محل الثنائي القديم المكون من حزبي «العمال» و«المحافظين»، بالإضافة إلى قوى قومية قوية في اسكوتلندا وويلز وآيرلندا الشمالية. والمؤكد أن حزباً آخر في أقصى اليمين يزيد من حدة الارتباك.

في ماكرفيلد، كشف استطلاع رأي حديث (وإن كان على عيّنة صغيرة) عن أن حزب «استعادة بريطانيا» يحتل المركز الثالث بنسبة 7 في المائة، متقدماً على المحافظين والديمقراطيين الليبراليين السائدين. وكان هذا كافياً لإعاقة حزب «الإصلاح»، الذي يتخلف عن حزب «العمال» بنسبة 3 في المائة. وتشير التقارير الميدانية إلى أنه ربما يقلل من تقدير مدى انتشار حزب «استعادة بريطانيا».

وتشكل وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً كبيراً من نجاح الحزب. يُذكر أن لدى لوي مليوني متابع على «فيسبوك» -عدد أكبر بكثير من ستارمر. وحسب جاك بيكوك، الباحث لدى مؤسسة «فوكالداتا»، يميل أنصار «حزب الإصلاح» إلى أن يكونوا من الشباب الذكور غير الحاصلين على شهادة جماعية، يعانون من انعدام الاستقرار الاقتصادي، ويستقون أخبارهم وآراءهم بشكل كبير من وسائل التواصل الاجتماعي.

قبل الانتخابات المحلية، الشهر الماضي، ألقيت نظرة سريعة على الحسابات، التي تعرّف عن نفسها بوصفها تابعة لـ«حزب استعادة بريطانيا». ووجدت عشرات الرسائل المصحوبة بصور لمرشحي «حزب الإصلاح» من السود والآسيويين. وبدا المعنى الضمني واضحاً: تفتقر جماعة فاراج إلى النقاء العرقي الضروري.

وليس من المستغرب أن يحظى «حزب استعادة بريطانيا» بدعم قوي من إيلون ماسك، الملياردير المالك لشركة «إكس»، والمهووس بمسألة العرق، والذي يشارك بانتظام منشورات «حزب استعادة بريطانيا». وحذا حذوه محرضون آخرون من اليمين المتطرف، بمن فيهم تاكر كارلسون، الذي حظيت مقابلته مع لوي على «يوتيوب» بملايين المشاهدات.

وجرى انتخاب لوي، رجل أعمال مليونير ورئيس نادي كرة قدم سابق، كان عضواً بالبرلمان الأوروبي عن حزب «بريكست»، بقيادة فاراج، في البرلمان عام 2024، تحت راية حزب «الإصلاح». إلا أنه انطلق بمفرده قبل نحو عام، بعد سنوات من الخلاف مع زعيم الحزب. وعلى ما يبدو فإن الدافع كان تغريدة من ماسك -الذي كان يحب فاراج، لكنه يراه مفتقراً إلى الحماس القومي- يزعم فيها أن لوي يجب أن يتولى قيادة حزب «الإصلاح».

وجاء صعود حزب «استعادة بريطانيا» سريعاً، لدرجة أن حزب «الإصلاح» أُصيب بالذعر. وقوبلت محاولات تشجيع لوي على التنحي، لتجنب انقسام اليمين المناهض للمهاجرين في ماكرفيلد، بالسخرية. أما حزب «المحافظين»، الذي خاض هذه المعركة معه على مدار سنوات، فسيتابع صراعات فاراج بابتسامة ساخرة.

اليوم، يبدو حزب «الإصلاح» منقسماً بين أولئك الراغبين في تصعيد الهجوم على المهاجرين، وأولئك الذين يخشون أن يؤدي ذلك إلى إبعاد المنشقين عن حزب «المحافظين». الأسبوع الماضي، وجَّه المتحدث باسم الحزب للشؤون الداخلية، ضيا يوسف، انتقادات إلى روبرت جينريك، الوزير المحافظ السابق، الذي يرأس الملف الاقتصادي داخل حزب «الإصلاح»، لإنكاره أن حكومة فاراج سترحِّل الرعايا الأجانب، الذين يعيشون في المساكن الاجتماعية. ويدافع لوي، من جهته، بفخر عن مثل هذه الخطة.

ويميل حزبا «العمال» و«المحافظين»، اللذان عانيا من صعود حزب «الإصلاح»، إلى الاحتفاء بمصاعب فاراج. وينطبق هذا بشكل خاص على بورنهام، إذ إن كل صوت يُمنح لحزب «الإصلاح» في ماكرفيلد يعني صوتاً أقل لحزب «الإصلاح». إلا أنه لا ينبغي لأحد أن يحتفل بصعود حزب كهذا.

لقد خلق انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتشرذم النظام السياسي الظروف المثالية لدخول حزبٍ فظٍّ وقوميٍّ عرقي، كان في السابق محصوراً في الهامش، إلى التيار الرئيس. وعليه، أصبحنا جميعاً أفقر حالاً.

* بالاتفاق مع «بلومبرغ»