سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».
TT

الطريق إلى القدس ورأس الخيمة

استمع إلى المقالة

أقامت الجمهورية الإسلامية لنفسها نظاماً مختلفاً تماماً عن المألوف في الأمم. فالقاعدة الأولى للحكم هي آيات الله، ومنهم الأعلى في الإمامة روح الله، وهو المرشد؛ أي المرجع الأول والكلمة الأخيرة. تعقب الطبقة الدينية الطبقة العسكرية، لكن هي أيضاً لا تشبه سواها. ففي طهران العسكر ليسوا الجيش، بل «الحرس الثوري»، و«الحرس الثوري» ليس قوة داخلية، بل أممية كذلك. الفئة الأولى والثانية تأتي بالاختيار وليس بالانتخاب. وهنا يأتي دور الرئيس المنتخب. ويأتي غالباً من صفوف من يُعرفون بالإصلاحيين، وهو عموماً بلا صلاحيات، ويخرج في النهاية وهو شبه معزول، وبلا أي نفوذ في دائرة السلطة.

اختارت إيران لنفسها نظاماً يعزلها عن جوارها وعالمها. وأوكلت لنفسها الطريق إلى القدس أمانة مطلقة. وعندما حذرت أول من أمس أهل رأس الخيمة بإخلاء ديارهم، أعادت الناس قراءة الخريطة لكي ترى كم تبعد الإمارة عن بيت المقدس. ومعها سائر دول مجلس التعاون ومحركاتها لاقتصاد العالم أجمع.

منْ، داخل النظام المرشدي، قرر أن نصف قرن من سياسة التعاون، يُقابل بغوغاء تدميرية إلى هذا الحد؟ ومنْ، داخل السلطة، اتخذ القرار بإحداث هذا العمق من العداء الذي لا يزول بعد نهاية الحرب التي لا نعرف متى تنتهي وكيف وأين؟ تزرع السلطة الإيرانية جروحاً مجانية من النوع الذي لا يلتئم. حاولت السعودية ومعها دول المجلس استخدام أكثر اللهجات تهدئة لكي تدرك إيران مدى استنكار دول الخليج الحرب والعداء. كل ذلك قوبل بمواقف معاكسة، وتوسيع رقع التخريب والنعرات والإساءات إلى كل عرف. يتساءل المرء بعد كل هذه العدائيات المتعمدة إلى أي نوع من العلاقة سوف يعود العرب وإيران بعد هذه الحلقات من تفجير الخبايا والنوايا، كأنما كانت طهران تعد لها وتنتظرها منذ زمن. وأكثر ما يعبر عن هذا الواقع الرديء كمية الصواريخ التي أُطلقت على أهل الخليج، وتلك التي أُطلقت على إسرائيل. تماماً كالفارق بين الطريق إلى القدس والطريق إلى رأس الخيمة.