لقد تجلَّت بالفعل وعود ومخاطر الدبلوماسية الكروية خلال بطولة كأس العالم لكرة القدم التي ستنطلق غداً في 11 يونيو (حزيران) - وذلك في ديسمبر (كانون الأول) الماضي - خلال القرعة التي أقيمت في مركز ترمب (كينيدي) في واشنطن.
وقد اعتلى المنصة ثلاثة من قادة العالم يمثلون الدول المضيفة للبطولة في أول نسخة ثلاثية الدول لكأس العالم: الأميركي دونالد ترمب، والمكسيكية كلوديا شينباوم، والكندي مارك كارني. ولم تكن هناك أي مشاعر ود متبادلة بين ترمب والزعيمين الآخرين، بعد أن لمّح سابقاً إلى تدخل عسكري في المكسيك وضم كندا، تماشياً مع الهيمنة على نصف الكرة الغربي بأكمله، من فنزويلا وكوبا إلى غرينلاند.
وعندما منح الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) حق استضافة كأس العالم لعام 2026 للمستضيفين الثلاثة خلال الولاية الأولى لترمب، كان من المفترض أن يسلط تعاونهم الضوء على التكامل في قارة أميركا الشمالية؛ وكان الشعار الأولي المتفائل هو «متحدون ككيان واحد».
بيد أن هذا الشعار لم يعد يبدو مناسباً، حيث حلت الحروب التجارية المتقطعة محل الأحلام القديمة بمنطقة التجارة الحرة. الشعار الرسمي لـ«فيفا» الآن هو «نحن 26». وقد دخلت السياسات القارية في حالة من الجمود.
ومع ذلك، فإن كرة القدم تتيح فرصاً دبلوماسية لا يمكن لأي محفل آخر - سواء الأمم المتحدة، أو حلف (الناتو)، أو البنك الدولي، أو (مجموعة العشرين)، أو أي شيء من هذا القبيل - أن يقدمها. وهذا ما حدث بالفعل خلال تلك القرعة. إذ شاركت شينباوم وكارني بروح رياضية وعزيمة كبيرة إلى جانب ترمب، وكانا يسحبان أسماء الدول لتوزيع المجموعات، وكأنهما في برنامج مسابقات تلفزيوني. ثم تراجع الثلاثة بعد ذلك إلى غرفة خاصة لإجراء محادثة ثلاثية.
وبهذه الطريقة، تعد كرة القدم مثالية لتوفير ما يسميه الدبلوماسيون «العفوية المنظمة». ولطالما سدت رياضة تنس الطاولة والكريكيت وغير ذلك من الرياضات فجوات العداء، غير أن كرة القدم فريدة من نوعها؛ لأن قطاعاً هائلاً من البشرية يعشقها. ويقول ترافيس ميرفي، المسؤول المخضرم السابق في وزارة الخارجية الأميركية، الذي يدير الآن شركة لتعزيز الدبلوماسية الرياضية، إن المشجعين واللاعبين في المدرجات وعلى أرض الملعب «يفرقهم قميص الفريق، ويوحدهم شغفهم بالرياضة». ويضيف ميرفي أن كرة القدم، في الأجنحة المخصصة لكبار الشخصيات، هي «الأداة الأكثر موثوقية لجمع الشمل على الساحة الدولية».
بيد أنه لا يزال يتعين على القادة إدراك قيمة هذه الأداة بصفتها هذه، وحتى ذلك الحين، فإنهم بحاجة إلى موهبة وحنكة في استخدامها.
ويمكن للدبلوماسية الكروية أيضاً أن «تأتي بنتائج عكسية»، حسبما أخبرتني هيذر ديختر، الأستاذة في جامعة دي مونتفورت البريطانية، التي تولت حرفياً تحرير كتاب عن الدبلوماسية الكروية. ومثلما يمكن لهذه الرياضة أن تضفي طابعاً إنسانياً على الخصوم وتذيب جليد الحروب الباردة، فإنها يمكنها أيضاً أن تؤجج النزعات النرجسية والقومية.
ويزخر التاريخ بكثير من الأمثلة على النتائج الإيجابية والسلبية، ولكن الكفة تميل أكثر نحو النتائج الإيجابية. إذ أثبتت كرة القدم قوتها لأول مرة في تسامي النزاعات الوطنية خلال «هدنة عيد الميلاد» الشهيرة عام 1914، عندما توقف الجنود الألمان والإنجليز في الحرب العالمية الأولى عن إطلاق النار مؤقتاً ولعبوا مباراة ودية بين الخنادق. ومنذ ذلك الحين، استخدمت أمم كثيرة كرة القدم للتغلب على الضغائن القديمة.
وفي عام 2008، لم تكن هناك علاقات دبلوماسية تربط بين تركيا وأرمينيا، وكانت حدة الانقسام بينهما مريرة جراء الإبادة الجماعية التي ارتكبت في العهد العثماني. ولكن بعد ذلك، دعا الرئيس الأرميني نظيره التركي لمشاهدة مباراة التأهل بين بلديهما لكأس العالم المقبلة. وأدى ذلك إلى أول تبادل للزيارات الرسمية وإلى ما عُرف بـ«بروتوكولات زيوريخ»، التي بدأت مسار تطبيع العلاقات الثنائية.
وقد أعقب ذلك ذوبان الجليد في حالات مماثلة بعد المباريات التي جمعت بين الكوريتين وبين الألمانيتين في أثناء الحرب الباردة وبعدها. ويحمل رمز الاستضافة المشتركة قوة وتأثيراً خاصاً؛ إذ لم يحدث هذا سوى مرة واحدة من قبل، عندما تعاونت اليابان وكوريا الجنوبية لتنظيم كأس العالم لعام 2002، متغلبتين على تاريخ مؤلم من الصراع، وممهدتين الطريق لشراكتهما المتطورة.
ولعل المثال الأكثر دفئاً - في سياق الحرب المستمرة في الشرق الأوسط - هو تلك المباراة التي أقيمت خلال كأس العالم لعام 1998 في فرنسا بين الولايات المتحدة وإيران اللتين كانتا عدوتين رسميتين آنذاك كما هي حالهما الآن. وقد دخل اللاعبون إلى الملعب وسط حالة عارمة من القلق والترقب العام، ولكن بدلاً من ذلك، تمازج لاعبو الفريقين معاً لالتقاط صورة مشتركة، وقدم الإيرانيون الورود البيضاء للأميركيين؛ فشعر كل من كان داخل الاستاد وخارجه - باستثناء آيات الله ربما - ببريق من الإنسانية يلوح في الأفق. ورغم أن النتيجة انتهت بفوز إيران بنتيجة 2 - 1، كان المنتصر الحقيقي كرة القدم.
بيد أنه عندما تسير الأمور على نحو خاطئ، فإنها تنحرف نحو الأسوأ تماماً. عام 1969، التقى فريقا هندوراس والسلفادور في استاد أزتيكا الشهير في مكسيكو سيتي، وهو الاستاد نفسه الذي يستضيف مباراة الافتتاح هذا العام بين المكسيك وجنوب أفريقيا. وكانت العلاقات متوترة بالفعل بين الجارتين، بسبب هجرة المزارعين المعدمين من السلفادور إلى هندوراس بحثاً عن الأراضي الشحيحة. وبعد أن انتزعت السلفادور فوزاً صعباً بنتيجة 3 - 2 في شوط إضافي، اشتعلت الجذوة والنعرات القومية لدرجة دفعت البلدين إلى خوض حرب استمرت أربعة أيام.
وبالنسبة لكأس العالم لعام 2026، فقد أدى الأمر إلى ترتيبات غير مألوفة سيمكث بموجبها اللاعبون الإيرانيون في المكسيك خلال فترة البطولة، ويتنقلون منها لخوض مبارياتهم الثلاث في الولايات المتحدة. كما فرض ترمب قيوداً مشددة على تأشيرات الدخول وغيرها من القيود على المشجعين المقبلين من كثير من الدول المشاركة في منافسات البطولة.
ومع ذلك، فقد حققت كرة القدم في السابق إنجازات أبعد من أن تُصدق في تحقيق التناغم والوفاق. ولا يزال بإمكان ترمب، وكارني، وشينباوم، وكثير من القادة الآخرين الذين سيأتون لتشجيع فرقهم، استغلال كأس العالم هذه لبدء محادثات ونقاشات من شأنها أن تجعل العالم أكثر سلاماً. والشرط في ذلك هو أن يدركوا جميعاً أن الرياضة تدور حول الزمالة والرفقة لا السيطرة والهيمنة، وعن الاحتفاء بالإنسانية بدلاً من تملق غرور أي قائد بعينه.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»
