صوتُ صافرات الإنذار أشبه بعويل الإنسان عند فزعه. ذلك الصفير المتقلب ينذر بالخطر ويفهمه الدماغ فوراً على أنه إشارة لوقوع مكروه لا يمكن تجاهله، بخلاف النغمة المتصلة المألوفة.
كان الصوت، وما زال، أصل الإنذار الجماعي. «وامعتصماه!» كانت صرخة امرأة فزع لها جيش كامل. وطبول الحرب وأجراس الكنائس كلها إنذارات جماعية تنطلق عند وقوع المعارك والحرائق والغارات. وحتى البوق، أقدم آلة إنذار صوتي، سيعود ليؤذن بفناء البشرية. ومن يكشف الفساد يُسميه الغربيون «نافخ الصافرة» (whistleblower) الذي تحميه القوانين المعاصرة من كل أشكال الأذى والفصل من عمله. وكم من مختص نفخ الصافرة لكن لا حياةَ لمن تُنادي.
ولأن كثيرين لا يكترثون للصافرات، فقد اضطرت الولايات المتحدة إلى صناعة أقوى صافرة في التاريخ (كرايسلر) التي تُسمع على بعد أربعين كيلومتراً للتحذير من الخطر النووي. فإذا دَوَّت في مطار «هيثرو» أو «كينيدي» سمعها سكان لندن ونيويورك، وإذا انطلقت من أهرامات الجيزة بلغ صداها مساكن التجمع الخامس.
الصافرة لغة عالمية يفهمها الجميع، إذ تضبط في لحظة حركة المرور، والسفن، وسير المباريات، وتقود الناس نحو الملاجئ وأقرب مخارج.
غير أن هناك مفارقات عدة تكتنف الصافرة. فالناس تكره صوتها، لكنها تطمئن لوجودها وتقلق عند غيابها. وهي صاحبة ذلك الصوت المخالف الذي لا نحبذ حضوره في اجتماعاتنا وشاشاتنا، لكنه يقول كلمة الحق التي لا تُدرك إلا بعد فوات الأوان.
والصافرة تختزل كل مراحل الإقناع، لتقودك على الفور نحو ملاذٍ آمن... ففي الأزمات لا نملك رفاهية النقاش. وتكشف الصافرة مستوى الوعي المجتمعي، بين من يستجيب ومن يتجاهل.
الصافرة لا تغير الواقع، لكنها تغير طريقة التعامل معه. ولذلك كان أكثر الأصوات إزعاجاً... أكثرها إنقاذاً.
