كشف مسح إعلامي في هولندا عن تصاعدٍ في نسبة الفتيات اللواتي يفضلن البقاء في بيت العائلة بعد سن الثامنة عشرة، وهذا يخالف التقليد الثقافي باستقلال الولد والبنت معاً عن العائلة الذي ظل هو المعنى الشائع في أوروبا الغربية بعامة. ولكن هذا التحول يحيل إلى ضغوط الحياة العصرية مادياً واجتماعياً؛ ما يؤدي إلى طلب الحضن الأصلي الذي هو عش العائلة، حيث الأمان العائلي مع التوفير المادي وراحة الألفة. وهو تحولٌ ضد نظرية الفردانية، حيث يعيد ترتيب العلاقة بين الحرية المطلقة في الحركة مع العودة للعش الآمن، وهو تحولٌ يغير سياقات المعنى العميق للانتماء في ثقافة سمتها التشظي وغياب روح التعاطف والحنان بين الأفراد نتيجةً لطغيان الفردانية المادية والجشع الرأسمالي حين يكون الكسب وحده هو الهدف.
ونظرية المنافسة التي كانت تحفيزاً جذرياً للإنتاجية؛ تعرضت لممارسات سلبية تعني اللهاث وراء الكسب دون شرط أخلاقي، أو إنساني، أو حتى ظرفي، حيث تكون ساعات العمل مقرونةً بهدف واحد هو مقدار صافي الربحية. وتحول الأفراد آلاتٍ للإنتاج مجردةً من أي شعور إنساني، وأصبح الكسب هو غاية الغايات؛ ما عزز الفردانية الجشعة، وهذا كشف عن الحاجة إلى تعويض نفسي وروحي لا يتمثل إلا في منزل العائلة، حيث الأمان اليومي الموعود في نهاية كل يوم عملٍ شاق. ويشيع هذا مع البنات أكثر من الأولاد، وفي البنت شعورٌ فطري عميق بالألفة والحس بجو الخلية المتآلفة وكأن ذلك حالةُ احتجاجٍ ثقافي على مادية الحياة وتوحش المعاني.
وهنا نكون على مفارقة حادة تمس تطلعات البشر، حيث التوق للحرية والاستقلال الذي يتبدى وكأنه أعلى درجات المطمح الذاتي. ولكن الحرية عاليةُ التكلفة، وكل جرعة حرية تقابلها جرعة في المسؤولية الذاتية، وكلما كنت حراً فأنت مسؤولٌ عن هذه الحرية. ولذا؛ تتعرض الحرية لمآزق حين يتواجه الفرد مع الظرف المحيط به، وكلما كان وحيداً في هذه المواجهة تعرَّض لتحديات تفوق قدراته المفردة، وحسب مقولة للجاحظ، فإن الله لم يخلق بشراً قادراً على القيام بكل حاجاته بنفسه، ونظل محتاجين لغيرنا في كل شأنٍ من شؤوننا؛ وهذا يقتضي التشارك والتعاون. وهذه هي الخلية البشرية التي تعرَّضت للتفكك في نشوة الأفكار الليبرالية وإغراءات الفردانية والتي كانت في تباشيرها فتحاً ثقافياً مغرياً، لكن الزمن كشف عن أن الثمن كبيرٌ وأحياناّ فادحٌ.
وكانت النظرية الليبرالية تعِد بتحولٍ من الخلية القسرية كما هي العائلة التي تقوم على رابط القربى دون روابط الميول والتوجهات، والبديل عنها هو في التنظيمات الحزبية والنقابيّة التي هي اختيار حر للفرد حسب قيم الميول الفكرية والمهنية وتطلعات التضامن التكتلي. غير أن التوحش الرأسمالي ابتكر صيغةً متوحشةً للحرية هي حرية السوق. وأخطر خصائص هذه الحرية هي حرية التنافس، ومن ثم فالطمع والجشع والأنانية ليست عيوباً أخلاقيةً حسب هذه النظرية، ولكنها محفزاتٌ لتحريك السوق وخلق فرصٍ تنافسيةٍ لا قيود عليها (للتفصيل، كتابي «الليبرالية الجديدة - أسئلة في الحرية والتفاوضية»)، وهذا المعنى أفرز صيغاً من الضياع والتيهان لدى فئات لم تجد نفسها في هذه التنافسية. وهذا هو ما كشف عنه الاستطلاع الهولندي عن عودة اللجوء للبيت العائلي ليس من أجل قيم القربى والبر، وإنما لوازعٍ اقتصادي وأمانٍ ذاتي وطلباً للمؤازرة الوجدانية. وهي القيم التي فقدها الجيل الليبرالي وتحول جيلاً مأزوماً تكشف عنه أعداد المشردين في عواصم أوروبا ممن يفترشون الأرصفة وعتبات الدكاكين في ليالٍ كئيبة تجمع بين الوحشة والخوف والضياع وبين الحرمان وانعدام الأمان الحسي والنفسي. وهذا ما حرك فكرة العودة للعائلة كما كشف عنه الاستطلاع الهولندي.
