داود الفرحان
حاصل على بكالوريوس الصحافة من جامعة بغداد عام 1968. نائب نقيب الصحافيين العراقيين لثلاث دورات، الأمين العام المساعد لاتحاد الصحافيين العرب. مدير «مركز المعلومات والبحوث» في وزارة الثقافة والإعلام العراقية. معاون المدير العام لوكالة الأنباء العراقية. المستشار الإعلامي للسفارة العراقية في القاهرة (1989 - 1990). كاتب عمود صحافي في الصحف العراقية منذ عام 1966، وكاتب عمود في مجلات: «المجلة» السعودية، و«الأهرام العربي»، و«الصدى» الإماراتية، و«اليمامة» السعودية، و«التضامن» اللندنية. رئيس تحرير صحف ومجلات عراقية أسبوعية عدة ومؤلف لعدد من الكتب.
TT

انحناءات الزمان والمكان من السياسة إلى الموسيقى

لم يكن آينشتاين يميز كثيراً بين موسيقى موزارت والثقوب السوداء الفضائية التي تبتلع كل شيء، ولا يفلت شيء من جاذبيتها. كل سيمفونيات الموسيقار النمساوي فولفغانغ موزارت هي تعبير عن «انحناءات الزمان والمكان» في هذا الوجود من الموسيقى إلى السياسة. هي موجات الجاذبية التي تروي اصطدام تلك الثقوب فيما بينها منذ مليارات السنين، كما عبرت عن ذلك وكالة «ناسا» الفضائية الأميركية.
وكما هناك في حياتنا متطرفون في السياسة والدين والمجتمع، هناك متطرفون في العلوم. وآينشتاين أحدهم. وحتى لا أنسى فإن موزارت نفسه كان عراب التطرف في الموسيقى جمالاً وسحراً وخيالاً ورغوة. وأقصد بالرغوة الإحساس بانعدام الوزن. فالتطرف ليس دائماً منبوذاً. العبقرية مثال والإبداع مثال آخر. وقديماً كان هناك رأي عام يرى أن العبقرية تؤدي إلى الجنون.
هل كان الموسيقار موزارت والعالم آينشتاين والرسام دافنشي والموسوعي ابن خلدون والشاعر المتنبي والرحالة ابن بطوطة والمعمارية زها حديد والمصلح الاجتماعي فولتير والفلكي غاليليو والكيمياوية مدام كوري والفيلسوف كونفوشيوس والمسرحي شكسبير والمخرج هيتشكوك والممثل شارلي شابلن والمنطقي أفلاطون مجانين؟ كانوا عباقرة كونيين إلى درجة الجنون، ومجانين إلى درجة التطرف.
نحن نعرف كل شيء تقريباً عن الممثلين والمطربين والسياسيين. ونعرف الكثير عن الرياضيين وعارضات الأزياء ونجوم الصحافة والأدب والتلفزيون. ونعرف ما لا بأس به عن رجال الأعمال والأثرياء. وقد لا نعرف إلا القليل عن رجال الدين وأساتذة الجامعات، في الوقت الذي نجهل فيه كل شيء تقريباً عن العلماء والمخترعين والمكتشفين باستثناء بعض العباقرة. قليلون يعرفون أن الروائية الإنجليزية فرجينيا وولف والروائي الأميركي آرنست همنغواي والرسام الهولندي فان كوخ عانوا من «الشيزوفرينيا الارتيابية» والهلوسة والأوهام. لكن الشاعر والفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه الذي توفي عام 1900 لم تقده عبقريته إلى الجنون العادي، لكنها أدت به إلى «جنون العظمة» لعدم قدرته على التكيف مع الآخرين. ووصل الأمر بنيتشه إلى تضمين جنونه في شعره مثل قوله: «يركض كالمجنون لا يعلم إلى أين». ودعا المجتمع إلى تمجيده صارخاً: «مجدوا فيَّ أمة المجانين». ويرى هذا الشاعر الخارق أن «هناك دائماً بعض الجنون في الحب، وهناك دائماً أيضاً بعض المنطق في الجنون». ونهاية هذا العبقري أنه أصيب بانهيار عقلي أدى إلى جنونه قبل وفاته.
وبحكم أضواء النجومية، فإن دائرة الضوء حول الممثلين والمطربين تشمل في معظم الأحيان الزوجة (أو الزوج) والأطفال أحياناً. لكن ما الذي يغرينا في معرفة عائلة العالم أو المخترع أو المكتشف أو المستكشف أو متسلق الجبال أو رجل الدين؟
فوجئت بأن آينشتاين إنسان مثلنا، يحب ويكره، ويجد أن أباه هو مثله الأعلى «ذكاء ولطفاً وخلقاً». كلنا نزعم ذلك! وقبل أن يكتشف النظرية النسبية اكتشف «أن الحياة مثل ركوب الدراجة؛ لكي تحافظ على اتزانك لا بد أن تستمر في الحركة». رجل واسع الخيال إلى درجة الهلوسة، سليط اللسان، استطاع أن يتحول من موظف بمكتب براءات الاختراع إلى الشخص الذي فهم أسرار الكون، وفوق كل ذي علم عليم. ونحن على دراية الآن أنه اكتشف نظريته الكونية في عام 1905 حين كانت العربات تجرها الخيول، وليس في عصر الإنترنت والآي فون والآيباد والرحلات السياحية إلى الفضاء الخارجي.
يوم فشلت علاقة عاطفية عابرة بينه وبين إحدى سكرتيراته قال لها: «اسخري مني، أنا الحمار العجوز، وابحثي عن شخص آخر أصغر مني بعشر سنوات يحبك مثلما أحبك». غير أن علاقتهما استمرت! كان آينشتاين عبقرياً في العلم... وكذلك في الحب! وكانت زوجته الضحية دائماً، فهي تعرف كل شيء، لكنها تصمت، فقد أدركت أنها لا بد أن تقبله بكل نقائصه ونقائضه: «أنا أجده رائعاً مع أن الحياة معه منهكة ومعقدة ولا تسير على وتيرة واحدة». كل الرجال كذلك... أليس كذلك؟
كانت علاقاته الزوجية و«الشارعية» مضطربة ومتوترة ومثاراً للقيل والقال، فقد خلف صبيين من إليسا التي أصبحت زوجته فيما بعد، وكانت لها ابنتان قبل الزواج، وحين كبرتا قرر أن يتزوج أمهما لضمان تقدم شابين للزواج منهما من دون فضائح!
زعم آينشتاين أنه يفهم في الحب أكثر مما يفهم في الكون، ومع ذلك لم تنجح قصة عاطفية واحدة في حياته! تماماً مثل نجم سينمائي عربي يفخر بأنه دون جوان لكن زيجاته المتكررة باءت بالفشل كلها. وحين طلق آينشتاين إليسا قال: «لن أتخلى أبداً عن الإقامة بمفردي، فقد تبين لي أنها نعمة لا توصف»! كان متقلب المزاج، ثرثاراً، أناني العواطف، مفلساً على الدوام، ومتعته الوحيدة الإبحار في قارب شراعي، وسط بحيرة هادئة، يدير دَفَّته كيفما اتفق من دون أن يعير اهتماماً لمسألة حياة أو موت؛ إنه لا يعرف السباحة!
لقد اشتهر آينشتاين، كما يعرف الجميع، بنظريته النسبية، لكن ثمة أمراً آخر لافتاً للنظر، وهو أن هذا العالم الفذ كان البداية الحقيقية لما يُعرف اليوم بالثقوب السوداء في الفضاء الخارجي التي صارت جزءاً من علم الكون. وهي نفسها التي قامت عليها فكرة المسلسل التلفزيوني الشهير القديم «ستار تريك» الذي تحول فيما بعد إلى سلسلة أفلام أميركية مثيرة عن اختراق المجرات وحروب الفضاء.
ومن يستعرض حياة ألبرت آينشتاين يجد أنها مليئة بالثقوب السوداء التي تحدث عنها في أبحاثه! كان طفلاً بطيئاً في تعلم الكلام، وكانت خادمة المنزل تصفه بالمغفل أو الغبي. وكان آخرون في الأسرة يلقبونه بالمتخلف. وقال له مدرس في الابتدائية إنه لن يصبح شيئاً ذا قيمة! كان أقصى ما يتمناه والداه أن يصبح ابنهما عازفاً ماهراً على الكمان. كان مغرماً بموسيقى موزارت ويعزفها مع أمه عازفة البيانو البارعة. وكتب يقول عن موسيقى موزارت: «إنها نقية وجميلة إلى درجة أنني أراها انعكاساً للجمال الكامن في الكون ذاته». كانت الموسيقى رفيقته في نبوغه العلمي، وحياته العاطفية، ونزوعه إلى السلام بين الأمم.
حين رزق آينشتاين بابنه الأول كان يهتم بصناعة لعب يدوية بسيطة له مثل عربة تلفريك من خيط وعلب ثقاب. وحين صار آينشتاين ما صار، دارت الحياة 180 درجة لتقدم لنا كوناً، نستوعبه ويستوعبنا، على وقع صدى موسيقى موزارت الكونية حقاً.