وسيلة إعلام مستقلة تماماً!

وسيلة إعلام مستقلة تماماً!

الاثنين - 26 محرم 1442 هـ - 14 سبتمبر 2020 مـ رقم العدد [15266]

قبل يومين، طرح صحافي عربي بارز هذا السؤال على حسابه في «تويتر»: «أيها المنتشرون في بقاع الأرض، هل مرت بكم تجربة لإعلام مستقل تماماً؟»، وحين استفسر بعض متابعيه عما يقصده، تحديداً، من مفهوم «مستقل»، أجاب «أي غير موجه من سلطة أو حزب أو رجال أعمال».
لطالما ظلت فكرة احترام الحق في السؤال جديرة بالتقدير. وفي الأكاديميات المرموقة، كما في المجال الثقافي والفكري العام، يُحض على حرية طرح السؤال الموضوعي أياً كانت ماهيته، باعتبار أن من خلاله يمكن الحصول على الإجابات، التي سيلقي بعضها الضوء على مناطق معتمة أو تكتنفها الظلال، وصولاً إلى حالة التفكير والجدل، التي ستطرح ثماراً في الغالب، ما دام المستهدفون بالسؤال سيعمدون إلى استخدام العقل والمنطق في تفكيرهم أو إجاباتهم.
من جانبي، لا أرى بأساً في طرح آلاف الأسئلة الخاصة بالحالة الإعلامية، وهو أمر تتضاعف أهميته مع المشكلات التي يواجهها الإعلام العربي والدولي في الأوقات الراهنة. لكنّ هذا السؤال ومثله أسئلة أخرى تنتهي بكلمات مثل «تماماً» أو «كاملاً» أو «مطلقاً» أو «تاماً»، لا أراه تساؤلاً بقدر ما هو تعبير عن رأي، وهو رأي يمكن أن نحترم حق صاحبه في إبدائه، مع الاحتفاظ بالحق في عدم الموافقة عليه.
ولجعل الأمر أكثر بساطة؛ فإن أسئلة من نوع «في أي البلاد توجد عدالة مطلقة؟»، أو «أي الحكومات تتمتع بنزاهة كاملة؟»، أو «أين يمكن للمرء أن يشعر بالسعادة التامة؟»، لا يستهدف طارحها إيجاد إجابة بطبيعة الحال، خصوصاً إذا كان يعرف أهمية التفكير فيما هو نسبي على أنه نسبي وفيما هو مطلق على أنه مطلق. بل يستهدف التعبير عن رأي يخص نظرته إلى العدالة أو النزاهة أو السعادة؛ وهو رأي قد يكون مطلقاً وأحادياً وجازماً، ولا يناسب الطبيعة النسبية لتلك القيم وغيرها من المعايير التي يصعب جداً تعيين أبعادها وحصر أثرها بشكل قاطع.
وحين نأتي للمجال الإعلامي، فإن الأمر يكون أكثر وضوحاً. إذ تتسم معايير وقيم مثل الحياد والتوازن والنزاهة والأمانة والموضوعية والاستقلالية بقدر واضح من النسبية، وهي حين تَرد في مدونات السلوك ومواثيق الشرف وأكواد المؤسسات؛ فإنها تَرد وفق وصفها هذا كـ«قيمة» و«معيار»؛ والقيمة كما نعلم تُرسى للحض والتحفيز والإلهام والانتظام في مسار إدراكها، ولا تُطرح كغاية واجبة الاجتراح في كل ممارسة وفي أي سياق.
يحزنني جداً الحديث عن الحياد الصحافي بوصفه «خرافة» أو عن الموضوعية الإعلامية باعتبارها «خيالاً»، أو عن استقلالية وسائل الإعلام كأنها صيغة هلامية لم ولن توجد في الواقع، لأن في هذا الحديث إغراء بالانحياز وحضاً على استمراء الذاتية وتسويغاً للاستتباع.
فإذا اتفقنا على أن الإعلام صناعة، وأن وجوده -وبعضه أو معظمه رديء ومنحاز- أفضل من العتمة والصمت والظلام؛ فسيأخذنا ذلك إلى التسليم أيضاً بأن تلك الصناعة تنشأ وتنشط وتزدهر ضمن شروط لازمة وإطار عمل واضح.
يعمل الإعلام في أي بلد وأي زمان ضمن أربعة أطر حاكمة: أولها هو إطار مصالح المالك، التي يجب أن يكون هناك قدر نسبي من احترامها، وإلا انتفت ذرائع التملك وبارت الصناعة التي اتفقنا على حاجتنا إليها. وثانيها هو إطار مصالح الدولة المنطلق منها، التي يجب احترام سيادتها على المجال الإعلامي والامتثال لقوانينها. وثالثها هو إطار مصالح السوق، أي الجمهور والمعلنين، لأن في تجاهل تلك المصالح تخلياً عن الموارد اللازمة للاستدامة. أما الإطار الرابع؛ فهو الإطار الضابط والمنظم لتلك المصالح المتضاربة في كثير من الأحيان؛ وهو إطار المعايير المهنية.
سيريد المالك أن تكون وسيلته تعبيراً ملحاً وواضحاً عن رؤيته ومصالحه، وستريد الدولة أن تكون وسائل الإعلام أدوات دعاية لها، وسيريد السوق أن ترقص الوسيلة على إيقاع رغباته، لكن المعايير المهنية ستجتهد لكي تضمن نمط خدمة يُبقي للصحافة دورها ويحفظ كيانها.
الحديث عن وسيلة إعلام مستقلة يستوجب تعريف الاستقلالية بوصفها مفهوماً نسبياً، وتحديد «الاستقلالية عمَّن؟ وماذا؟ وبأي قدر؟»، أما الحديث عن استقلالية تامة، فلا يطرح مفهوماً قابلاً للنقاش.
يأخذنا هذا إلى إعادة صياغة مثل تلك الأسئلة لتعكس اعتباراً واجباً للأطر الحاكمة للصناعة من جهة، وتعكس رغبة في استنارة وليس توجيه الاتهام من جهة أخرى. ومن تلك الصياغات «إلى أي حدٍّ تعكس هذه الوسيلة استقلالية تحريرية؟»، أو «إلى أي حدٍّ تحترم تلك الوسيلة المعايير المهنية في أدائها؟».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة