د. خالد منزلاوي
الأمين العام المساعد للشؤون السياسية الدولية بجامعة الدول العربية
TT

تعددية الأطراف والدبلوماسية من أجل السلام

في عالمنا اليوم، يتم التعامل مع جزء أساسي من السياسة الدولية من خلال القنوات المتعددة الأطراف، وغالبا ما يجري ذلك من مقرات المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة. هذا ويوثق دعاة النهج المتعدد الأطراف بشكل تجريبي إنشاء هذه القنوات الدبلوماسية وأيضا ما يثار حولها من خلافات، وهو ما يعرف باسم الدبلوماسية المتعددة الأطراف. وتعتمد هذه القنوات الدبلوماسية على هيكلية عالمية محددة وعلى التوزيع الإقليمي.
ويتضح لنا النطاق الواسع للدبلوماسية المتعددة الأطراف في عدد من المنظمات السياسية الدولية النشطة، يضاف إلى ذلك أن هذا الانتشار المتزايد للدبلوماسية المتعددة الأطراف على الصعيد الدولي يولد أشكالاً ملحوظة من التراتبية الاجتماعية الدائرة حول التنافس من أجل التمثيل الدبلوماسي.
لكن رغم أهمية تعددية الأطراف، يبقى احترام السيادة الوطنية مبدأ أساسيا في ميثاق الأمم المتحدة ويجب الالتزام به في جميع الأحول، إذ لا يمكن الخلط بين التعاون أو العمل الجماعي والتدخل في الشؤون الوطنية الداخلية.
ولا شك أنه من التبسيط المخل القول إن العالم سيكون مكاناً أفضل في حال استند التعاون الدبلوماسي إلى توافق الآراء فقط، فما زال التحرك الحالي نحو التعددية يثير كثيرا من الأمل والتطلعات. ويرى بعض المحللين أن أقوى المنظمات الدولية هي تلك التي تعزز التعاون الاقتصادي والسياسي وتدعم العولمة من خلال الدبلوماسية.
وبينما تعد المنظمات الدولية الأدوات اللازمة لتعزيز الإدارة الشاملة، تغلب على هذه المنظمات، بالنظر إلى طبيعتها، الفوارق الموجودة بين أعضائها، لذا نقول إنه لا يكفي الإيمان بالعمل المشترك من دون تصدٍ جاد للمخاوف التي تجعل بعض الدول تشعر بالضعف أمام أخرى أقوى منها، والتي تدفعها إلى اتخاذ إجراءات أحادية الجانب.
لكن رغم هذا يستغل ممثلو الدول المنتدبون إلى المنظمات الدولية الفرص بوضع معين للتنافس على المكانة من خلال معرفتهم العملية وأدائهم الدبلوماسي. ويمكن فهم هذه العملية من خلال الآليات التي تلجأ إليها وفود الدول المنتدبة لدى المنظمات الدولية لممارسة التعددية، وما تستخدمه في هذا المجال من فطنة في كتابة التقارير والدخول في المفاوضات.
وللوصول إلى حكومة عالمية تتوسل الدبلوماسية المتعددة الأطراف، فإنه لا بد من إجراء الإصلاحات الضرورية لتعزيز الهياكل التنظيمية الدولية.
إن المملكة العربية السعودية تؤمن بتعددية أقوى للتصدي للتحديات العالمية المستمرة، مثل القضاء على الفقر والحد من عدم المساواة وانتشار التسلح والتوترات الجيوسياسية والإرهاب، بحيث تتطلب هذه التحديات التعاون والتآزر بين الدول الأعضاء والجهات الفاعلة الأخرى.
ومن الناحية النظرية، وفي ظل تشكك بعد الدول في دور الأمم المتحدة، يرى دعاة الواقعية في العلاقات الدولية أن الدول العاقلة مضطرة في بناء سياستها الخارجية على مبدأ التعايش والتعاون الدولي. هؤلاء الواقعيون يؤمنون أن المملكة العربية السعودية تثق بالعمل الجماعي ودوره في التصدي للتحديات والكوارث المحدقة بالعالم.
لكن من جهة أخرى، يرى دعاة المثالية في العلاقات الدولية أن هذا النهج الواقعي يؤثر بشكل كبير على فشل العمل الجماعي ويضرب، بالتالي، مصداقية الأمم المتحدة. ويلقي المثاليون باللائمة على المدرسة الواقعية في الاستهانة بدور التعاون والدبلوماسية الدوليين والجهود الجماعية، وبالنسبة لهذه المدرسة، يبالغ الواقعيون في التأكيد على القوة والمصلحة الذاتية.
ويبقى السبيل الوحيد في تنظيم الجهود الجماعية هو التعاون بين الدول، والتعامل مع التحديات من منطلق الدولة، والمصالح الذاتية، وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تعددية الأطراف والتعاون بين البلدان والأمم المتحدة.
إن المملكة العربية السعودية، باعتبارها لاعباً حيوياً على الساحة الدولية، تأخذ تعددية الأطراف على محمل الجد، ويظهر ذلك في الدبلوماسية الدولية التي تمارسها وحثها باستمرار الدول الأخرى على مواجهة التحديات القائمة.
ومن خلال نهج دبلوماسية قائمة على تعددية الأطراف، تفتخر المملكة العربية السعودية بإنجازها المتمثل في منع الصراع في منطقة القرن الأفريقي، ودعم الحرب العالمية على الإرهاب، وتعزيز أهداف التنمية المستدامة كجزء من التزاماتها الدولية.
لكن منطق الحكومة العالمية ما زالت دونه تحديات جمة مثل معضلة تغير المناخ ومشكلة النازحين الصراعات الجيوسياسية. ولا شك أن طبيعة التحديات وحجمها يتطلبان منا العمل الجاد من أجل إصلاح منظومة الأمم المتحدة، وهو ما يستحثنا لتعزيز فاعلية مجلس الأمن وتنشيط دور الجمعية العامة وجميع هيئات الأمم المتحدة ذات الصلة.
وفي النهاية، تقف المملكة العربية السعودية بقوة وراء الدعوة إلى زخم جديد في دور الأمم المتحدة، لتمكينها من مواكبة آمال القرن الحادي والعشرين وتطلعاته.