زيادة النسل الحالة العسيرة الحل... في مصر

زيادة النسل الحالة العسيرة الحل... في مصر

الثلاثاء - 24 جمادى الآخرة 1441 هـ - 18 فبراير 2020 مـ رقم العدد [15057]
فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق

منذ أن بدأتُ مطلع الستينات كصحافي متابعة القضايا المصرية ميدانياً أحياناً في القاهرة وصولاً إلى جبهة السويس، ورصداً دائماً دقيقاً من بيروت لما يجري في المحروسة سياسياً واجتماعياً وفكرياً، وهنالك قضية جوهرية أراها تشغل بال أهل الحُكْم وإلى درجة أن رئيس الدولة شخصياً يتحدث حولها على الملأ خلال إلقاء خطاب في الجماهير، وأحياناً تمتزج عبارات الرئيس النُصحية بالمرارة. فهو من جهة أمامه كرئيس للدولة مسؤولية تأمين الدواء والغذاء والتعليم والنقل والعلاج وخلاف ذلك، وهو من جهة أُخرى يرى هذا الفيض النسلي يربك الخطط الحكومية ويحبط حماسة رئيس الدولة المتطلع إلى تنمية تشمل الإنسان وأرضه. وعلى مدى الثماني والستين سنة من عمر مصر الجمهورية بتنوع حُقبها الرئاسية الأربع كانت مشكلة زيادة النسل بنداً مقلقاً في أجندة أهل الحُكْم. وعند استحضار ما في الذاكرة وفي الأضابير من مواقف وأقوال لأربعة رؤساء تعاقبوا على رئاسة مصر، نلاحظ كيف أن زيادة النسل تصل إلى مرتبة متقدمة في قائمة هموم رئيس الدولة واهتماماته، خصوصاً أنها عصية على الحل حتى إشعار آخر.
لم يضع أول الرؤساء جمال عبد الناصر الإصبع على جُرح هذه المشكلة إلا بعدما وجد على مكتبه، وقد مضى على قيام ثورة يوليو (تموز) 1952 أقل من سنتيْن، تقريراً أولياً في هذا الشأن، فأطلق في خطاب ألقاه يوم 31 مايو (أيار) 1954 أمام الجماهير المبتهجة بثورة 23 يوليو إشارة أولى إلى المعضلة النسلية التي تنتظر مشروعه، وتتمثل في عبارة «ما بين الـ22 مليوناً، هناك 18 مليوناً فلاحون يعيشون عيشة الكفاف». ولأنه يقدِّر حساسية مجتمع الفلاحين من كثرة الولادات كونهم يعتبرون المواليد إناثاً أو ذكوراً نواة مساعدين لهم في الأعمال الزراعية حرثاً وبَذراً وجنْياً، فإنه أرجأ إلى مناسبة أُخرى إطلاق جرس تحذير خفيف الوطأة في هذا الشأن، وكان ذلك بعد بضعة أشهر في خطاب ألقاه يوم 5 يوليو (تموز) 1956 وأورد فيه العبارات الآتية: «إن تعدادنا يزيد كل عام نصف مليون من المواطنين. بعد عشر سنين سنكون 30 مليوناً بدلاً من 22 مليوناً. كل هؤلاء يريدون عملاً وأكلاً ودخلاً. فإذا لم نعمل فإن الدخل الموجود سيُقسَّم علينا جميعاً، على الموجودين وعلى الذين سيزيدون عليهم. مستوانا سيهبط. إذن لا بد من عمل مضاعف لنواجه رفع مستوى معيشتنا والقضاء على الحالة السيئة التي كنا نشكو منها منذ سنين...».
على رغم محبتهم لرئيسهم، فإن المصريين وبالذات الشرائح النشيطة في الموضوع النسلي لم يأخذوا بالذي قاله، ثم كان الانشغال بقضايا سياسية على درجة من التعقيد من بينها الوحدة مع سوريا ثم صدمة الانفصال والمساندة الحربية للانقلاب في اليمن على الإمام البدر وإعلان الجمهورية. لكن التقارير في الحالة السكانية المقلقة كانت في استمرار على مكتبه، ليفاجئ المصريين عام 1965 بتضمين خطاب ألقاه رقماً صاعقاً، وهو أن مصر التي كان تعدادها السكاني عشرين مليون نسمة مطلع الخمسينات باتت ثاني أكبر نسبة في العالم من حيث زيادة عدد السكان تتقدم عليها باكستان، وإزاء ذلك افترض أنه من خلال «إنشاء مجلس أعلى لتنظيم الأسرة» يمكن الحد من القلق المتزايد.
استوعبت دول الخليج وليبيا القذافي وعراق صدَّام حسين بضعة ملايين من المصريين. وبطبيعة الحال فإن نسبة التناسل انحسرت قليلاً. وبعد اضطراب أحوال العراق وليبيا وعودة النسبة الكبرى من هؤلاء الملايين إلى مصر فإن زيادة ملحوظة في التناسل حدثت مع المتزوجين، كما أن غير المتزوجين باتوا وقد حققوا في سنوات غربتهم الخليجية والليبية والعراقية رصيداً مالياً يجعلهم يتزوجون في بلدهم ويصبحون بذلك من ذوي منتجي النسل. وهكذا نشط عدَّاد التناسل وإلى درجة جعلت الرئيس أنور السادات الذي ورث من عهد عبد الناصر تكدساً سكانياً إلى جانب تداعيات حرب 5 يونيو (حزيران) 1967، يفضل سياسة محاصرة التكدس البشري بإنشاء مدن سكنية بادئاً بواحدة لم تكتمل. وكان في صدد المضي في إنجاز رؤيته هذه بعدما حقق النصر النوعي على إسرائيل، ومن أجْل ذلك لم يُكثر في الخطب التي كان يلقيها التركيز على ظاهرة حيوية التناسل، الأمر الذي لقي من عموم أهل الريف المصري الرضا. ثم يقضي الرئيس السادات مغتالاً وقد وصل عدد السكان إلى 64 مليوناً ليزيد في عهد حسني مبارك كما الحال مع عبد الناصر والسادات طفلاً أو طفلة كل 15 ثانية. ثم يتسلم الرئاسة عبد الفتاح السيسي، ويسجل العدّاد يوم الثلاثاء 11 فبراير (شباط) المائة مليون الذي كان عندما يخْطر ثلثه في بال عبد الناصر ونصفه من بعده في بال السادات ومبارك ينتاب كل منهم القلق، إذ إن معنى ذلك تأمين مستلزمات العيش الكريم. ومثل هذا الأمر يحتاج إلى المال الوفير والأرض الزراعية وإلى الدواء والمستشفيات ثم التعليم وفرص العمل لاحقاً. والقلق المشار إليه موصول إلى عهد السيسي الذي بدأت في ظل رئاسته المائة مليون الثانية تكتمل كافتراض مستند إلى المواليد كل عام على مدى سبعين سنة.
لم تُجدِ الخشية الرئاسية من بقاء كفة الرقم المتصاعد للسكان لا تتعادل مع كفة مشاريع التنمية، بل إن الحيوية النسلية تقضم الكثير سنوياً من المشاريع التي تتم تحت وطأة العدد المتزايد للسكان. وبسبب ذلك، انحسرت نسبة ملحوظة من الأرض الزراعية من أجْل بناء مشاريع سكنية بعضها بغرض الاستثمار الذي لا بد منه وبعضها الآخر بغرض تأمين مساكن للملايين الذين لا مساكن لهم وتحويل رؤية الرئيس السيسي في شأن الحياة الكريمة لكل مواطن إلى تنفيذ.
وإزاء ذلك تبقى التوعية الدينية مقرونة بتنشيط التوعية الاجتماعية والتركيز على مخاطر استنزاف الكثافة السكانية للجهود التنموية، والتسليم برؤى أهل الخبرة والاقتصاد؛ ومنها على سبيل المثال لا الحصر رؤية سبق أن بلورها الدكتور بطرس غالي بعبارة يوم كان إلى جانب السادات «إن المشكلة الاقتصادية التي تعيشها مصر هي نتيجة للاكتظاظ السكاني وفقر الموارد الاقتصادية».
وأما بالنسبة إلى التوعية الدينية فإن التأمل في رؤى عدد من الأزهريين ومن المفكرين المستنيرين من شأنه أن يفيد.
وثمة رؤية سبق أن أوجزها المفكر الإسلامي خالد محمد خالد بعبارة «لا أمل لنا مطلقاً في تحسين مستوى المعيشة بيننا ما دامت نسبة المواليد تتزايد تزايداً فاحشاً». ومن شأن هذه الرؤى جعْل الحالة العسيرة على الحل منذ زمن مصر عبد الناصر ذات العشرين مليوناً وحتى مصر زمن السيسي ذات المائة مليون، لا تبقى بالعسر التي هي عليه والتي لم تنفع فيها الاقتراحات والوصفات الرئاسية.
وهكذا، فإن زيادة النسل جزء من اهتمامات مثلث التحرش بأوطان الآخرين ومعطِّيله استقرارهم (إيران وتركيا وروسيا) وأحد هموم المحروسة مصر التي تسعى إلى أن يسود السلام على أرضها وفي أوطان الدول الشقيقة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة