يستطيع الأوروبيون أن يحكوا الكثير عن تاريخهم من خلال تغير أسماء مدنهم، فبعد عام 1945 أصبحت مدينة بريسلو الألمانية وروكلو البولندية، كما أصبحت مدينة كولوسزفار المجرية كلوج الرومانية. أما ترست فهو مكان لم يعد له وجود. وحتى عهد قريب خلال تسعينات القرن الماضي عندما تساقطت بلغاريا نحو العدم تحدث الكثير من السلوفانيين الكبار في السن بحنين أيام الصيف التي قضوها هناك. في الواقع لقد أعيدت تسمية ترست بتريستي قبل حوالي قرن، لكن كون تريس السلوفاكية ظلت تتمتع بشعبية حتى العصر الحديث: فتريستي ليست مدينة ترمي ملابسها القديمة بسهولة.
ليس هذا بالغريب، فلقد انغرزت تريستي بين مخالب نسر هابسبيرغ في عام 1382 وظلت سعيدة هناك حتى عام 1918. ولايزال الكثير من السياح الألمان والنمساويين يزورون المدينة ويُبقون على حرف الياء في نهاية اسم المدينة مثبتاً الى تريست بواسطة مالكيها الجدد في شوفينية غير لازمة. وفي نهاية الأمر عاش الايطاليون متزاحمين مع الألمان والسلاف لقرون.
هناك منطق لكل ذلك، فتريستي كانت ميناء النمسا الوحيد على البحر المتوسط، مما أعطى الامبراطورية موقعاً متميزاً بتعدد إثنياته. كانت جدة والدتي من سيلسيا، وتزوجت بضابط نمساوي كان يعمل في تريستي.
لا يزال ذلك التمازج للثقافات المختلفة واضحاً. حتى بعد انغماس موسليني في "الأطلنة"، فقرب المحطة هناك شارع اسمه فيا ريتميير، وهناك مبنى في وسط المدينة اسمه بلازو غوبليفيش. أما مطبخ تريستي فهو مختلط بصورة مدهشة. وللمدينة عادة مترفة في حب الطعام الجيد، وليس ذلك بغريب على مدينة كانت أحد أكثر الموانئ ثراء في العالم. والأكلة المحلية الخاصة هي "جوتا"، وهي يخنة كثيفة معروفة في وسط أوروبا، وكذلك الريزوتو وراغو الأرنب مع الغلاش والتفاح في أمسيات الصيف. لا يزال المطبخ في تريستي ممتازاً، لكن تدفقت وصفاته منذ زمن بعيد نحو البحر الأدرياتيكي، فبعد الحرب العالمية الأولى هبطت درجة تريستي لتصبح مجرد ميناء ايطالي آخر وفي موقعٍ غير مؤات. فلماذا ترسو سفينة في تريستي بينما جنوه وفينيسيا أكثر راحة منها؟ كما هو متوقع تضاءل عدد سكان تريستي الى الثلث منذ السبعينات، فالشباب يفضلون البحث عن العمل في ميلانو، كما ان تريستي كئيبة للغاية، فهي من المدن القليلة التي تبدو أجمل في الطقس السيئ.
تقشرت واجهات مجمعات الشقق السكنية في بيل ايبوك كأنما أصابها مرض، وتطل الميازيب الرمادية من على الشرفات ذات الألواح المصنوعة من خشب البلوط والتي لم تدهن منذ الخمسينات، والستائر الحريرية على النوافذ على تلال المدينة نحو الأرامل المتوحدات اللاتي يمشين متثاقلات نحوها. والعديد من الشوارع صامتة سوى من صرير الترام القديم.
لكني اعشق تريستي لهذه الأسباب. فحالتها الرثة تحكي قصة، وكل حفرة على الرصيف سقوط من سمو. إنها مكان يحتضن الحزن. ولست وحدي في ذلك، فقد كان جد أبي حتى وفاته يعتذر كلما مرّ بصورة فرنز جوزيف امبراطور هابسبيرغ. لم يكن بمقدوره تجاوز الشعور بالذنب بعد خيانته بالقتال الى جانب الايطاليين خلال الحرب العالمية الأولى وما شاهده من آثار ذلك القرار على المدينة التي أحبها. وبوصفه من مواطني تريستي فقد كان يخضع لحكم الهابيسبيرغ حتى عام 1918.
أتمنى أن يبتسم الرجل العجوز لاستخدام "ترست" و"تريست" حتى اليوم. قد تكون اختفت ترست السلوفانية للأبد، لكن تريستي لن تكون أبداً ايطالية صرفة، ولا يهم كم حرباً تُخاض ولا كم معاهدة تُوقع.
9:48 دقيقه
TT
زيارة إلى مدينة تريستي الإيطالية
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
