كان الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، الخليفة الأموي، فنانا في مزاجه، ومذواقا للجمال، وتواقا إليه، كما نجد في الحكاية الآتية.
كان شاعرا وعازفا على العود والطبلة، وقد كان مغرما بالأنس والطرب. وهكذا ففي نوبة من نوباته طلق زوجته الحسناء، سعدى، ثم ندم. نادى على أشعب وقال له يا أشعب لك عندي عشرة آلاف درهم على أن تحمل هذه الرسالة لسعدى، وكانت لحسنها ما إن خرجت من عصمته حتى تزوجت برجل آخر. يظهر أن أشعب قد تشكك في مصداقية الرسالة. قال للخليفة أحضر المال حتى نرى، فأحضره بدرة فوضعها أشعب في عنقه، ثم قال للوليد هات رسالتك الآن، فأجابه: هذه رسالتي، قل لها إن الخليفة، أمير المؤمنين، يقول لك:
أسعدى هل إليك لنا سبيل
وهل حتى القيامة من تلاق؟
بلى، ولعل دهرا أن يواتي
بموت من خليلك أو طلاق
فأصبح شامتا وتقر عيني
ويجمع شملنا بعد افتراق
حمل أشعب الرسالة وأتى دار سعدى وطرق الباب فأخبروها بوجود الرسول، فأمرت بأن يفرشوا لها، حتى إذا اكتمل المشهد جلست ثم أذنت له بالدخول عليها فوقف وأنشد تلك الأشعار من الخليفة. فقالت لخدمها: خذوا الفاسق. فقال لها: يا سيدتي إنها بعشرة آلاف درهم. فقالت: والله لأقتلنك أو تبلغه كما أبلغتني. فقال أشعب: هاتي رسالتك، جعلت فداك. قالت أبلغه جوابي هذا:
أتبكي على لبنى وأنت تركتها
وقد ذهبت لبنى فما أنت صانع؟
عاد أشعب ودخل على الوليد وأنشده ما أنشدته سعدى. فقال: «أوه! قتلتني والله... ما تراني صانعا بك يا ابن الزانية؟ اختر... إما أن أدليك في البئر منكسا أو أرمي بك من فوق القصر منكسا، أو أضرب رأسك بعمودي هذا. فقال أشعب ما كنت فاعلا بي شيئا من ذلك. فسأله الخليفة ولم لا؟ فأجابه أشعب لأنك لم تكن لتعذب عينين قد نظرتا إلى سعدى! فأجابه قائلا صدقت. فاخرج عني. وكان هذا ما سجله المدائني في كتاب الأغاني.
قال الرواة: لقد نقم الناس عليه فتآمر بعضهم مع بعض وقتلوا الخليفة أمير المؤمنين في قصر النعمان في النجراء!
7:21 دقيقه
TT
أشعب رسول الهوى والندم
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
