قبيل إطلاقه، وصَف بعضٌ في الصين نموذجَ «ميثوس» - وهو أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي التابعة لشركة «أنثروبيك» - بأنه لحظة تفوق تمثل انقلاباً على «ديب سيك». وكان ذلك بمثابة تذكير بأنه رغم كل الضجة المثارة حول المنافسين الصينيين، فإنَّ شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية الرائدة لا تزال تتربع على العرش.
ومع ذلك، وبطريقة ما، تحول الإطلاق المتعثر والمليء بالإخفاقات لنموذج «ميثوس» وشقيقه الأضعف «فيبل» إلى دعاية مجانية مذهلة تصب في مصلحة تقنيات الذكاء الاصطناعي الصينية مفتوحة المصدر.
وبعد فترة وجيزة من إعلان «أنثروبيك» عن حظر الوصول إلى نموذجي «ميثوس» و«فيبل» بناء على أوامر من إدارة ترمب بمنع الأجانب من استخدام هذه الأدوات، سارع مختبر الذكاء الاصطناعي الصيني «تشيبو» لانتهاز هذه الفرصة السانحة؛ إذ أعلنت الشركة التي تتخذ من بكين مقراً لها عن إطلاق نموذجها الأكثر تقدماً حتى الآن، مشيرة إلى أنها ستجعله مفتوح المصدر. وكتب جي تانغ، المؤسس المشارك لشركة «تشيبو»، في منشور على منصة «إكس» واصفاً القيود المفاجئة على نماذج معينة بأنَّها «أمر يدعو لأسف عميق»، وأضاف تانغ: «في وقت يُمنع فيه الوصول إلى النماذج الرائدة فجأة لأسباب غير تقنية، فإنَّنا نصبح أكثرَ قناعة بأمر واحد: وهو أنَّ العلم يجب أن يكون عالمياً». وأوضح تانغ أنَّ نموذجهم الجديد سيُتاح لمستخدمين محددين في تمام الساعة 5:21 - في إشارة تهكمية واضحة على مذكرة «أنثروبيك» نفسها التي ذكرت فيها أنَّها تلقت توجيهات واشنطن في تمام الساعة 5:21 مساء.
إن إتاحة هذا النموذج كبرنامج مفتوح المصدر تعني أن الشركات أو الحكومات أو المنظمات التي تمتلك العتاد والأجهزة التقنية الكافية يمكنها تشغيله محلياً، ودون الحاجة للقلق أبداً من احتمالية حظره أو سحبه فجأة بناء على نزوة سياسية. ونتيجة لذلك، قفزت أسهم شركة «تشيبو»، التي تتداول تحت اسم «نوليدج أطلس تكنولوجي» في بورصة هونغ كونغ. ووفقاً لما صرح به أحد المحللين لشبكة «بلومبرغ نيوز»، فإنَّ الشركة الصينية قد بعثت برسالة قوية في وقت أُجبرت فيه «أنثروبيك» على تقييد نطاق الوصول إلى خدماتها.
وعوضاً عن إظهار الهيمنة الأميركية في مجال الذكاء الاصطناعي - كما كان مراداً له - لم يسفر هذا الإخفاق إلا عن كشف مدى هشاشتها. وكما كتبتُ سابقاً، فإنَّ فجوة الأداء بين نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية المتطورة وأفضل ما يقدمه وادي السيليكون كانت تتسع هذا العام، ولا تتقلص. غير أن كل ذلك لا يعني شيئاً إذا كان العالم عاجزاً عن الوصول إلى هذه التكنولوجيا. وكما كتب كايل تشان من معهد «بروكينغز»، فإنَّ بعض شركات الذكاء الاصطناعي الصينية مفتوحة المصدر تعيش حالياً «أياماً ذهبية»؛ حيث أُتيحت لها فرصة ترويجية مجانية لم تكن لتحلم بها قط.
ومما زاد الأمر سوءاً أن قيود التصدير هذه لم تستهدف الخصوم فحسب، وإنما طالت حلفاء أميركا، بل وحتى الموظفين الأجانب العاملين في شركة «أنثروبيك» نفسها - وهم الأشخاص الذين ساعدوا في بناء هذه النماذج. وتبدو طموحات واشنطن في دفع العالم للبناء على أساس البنية التكنولوجية الأميركية للذكاء الاصطناعي أضعف بكثير إذا ما اقترنت بسياسات متقلبة وغير مأمونة العواقب.
وقد بدأت دول أخرى تأخذ هذا الأمر بعين الاعتبار؛ حيث وصف مرشح رئاسي فرنسي هذه الخطوة بأنَّها صيحة إنذار للاستيقاظ، مضيفاً أنَّ «الأمة التي تعتمد على الآخرين في تكنولوجيتها هي أمة يمكن فصلها عن الخدمة وإغلاقها بين عشية وضحاها». كما صرَّح رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، قائلاً: «سنكون قد ارتكبنا خطأ إذا ما اكتفينا بقبول هذا الأمر، ولم نستوعب هذا الدرس، ولم نعمل على البناء وتنويع أعمالنا». إنَّ القادة العالميين يجهرون الآن بالمخاوف ذاتها التي تحاول شركات الذكاء الاصطناعي الصينية حالياً استغلالها مادياً وتجارياً. ومن غير المرجح أن يؤدي إعادة نموذجي «ميثوس» و«فيبل» للعمل عبر الإنترنت بين عشية وضحاها إلى إسكات هذه الأصوات المتصاعدة.
وفي غضون ذلك، لا يمكن للتوقيت أن يكون أسوأ مما هو عليه؛ إذ يحدث كل هذا في خضم جدل محتدم حول تكلفة الذكاء الاصطناعي وبداية حرب أسعار شرسة. ومع قرب استحقاق فواتير الإنفاق الفلكية على الذكاء الاصطناعي، يجد كثيرٌ من قادة الأعمال أنفسهم مضطرين لتقييم ما إذا كانت النماذج الرائدة تستحق هذا العبء المالي حقاً. وتكمن إحدى أكبر نقاط الجذب في عروض الذكاء الاصطناعي الصينية في أنها لا تكلف سوى جزء ضئيل مما تتطلبه النماذج الرائدة من «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي».
ويبدو أنَّ مزيداً من المستخدمين يتجهون نحو هذا الخيار البديل؛ فنظام «ديب سيك» - الذي أعلن الشهر الماضي عن الخصم الدائم البالغ 75 في المائة على أحدث نماذجه - لا يزال يتربَّع على صدارة تصنيف منصة «أوبن روتر» لنماذج اللغات الكبيرة من حيث استخدام «الرموز» (وهي وحدات البيانات التي تعالجها أدوات الذكاء الاصطناعي). ورغم أن الذكاء الاصطناعي الأميركي لا يزال يتصدر اختبارات القياس المتميزة، فإنَّ أغلب الشركات ليست بحاجة إلى أنظمة يمكنها استيعاب الفيزياء الكمية وتحليلها من أجل أتمتة الأعمال المكتبية الروتينية. لقد كان الذكاء الاصطناعي الأرخص سعراً والمقبول كفاءة يمثل بالفعل نقطة بيع رئيسية للمختبرات الصينية، والآن بات بمقدورها أن تضيف إلى مزاياها أنَّها تبدو أكثر موثوقية واستقراراً.
وقد أفادت بعض وسائل الإعلام بأنَّ الحملة الصارمة على نموذجي «ميثوس» و«فيبل» كانت مدفوعة جزئياً بمخاوف من إمكانية وصول الصين إليهما (رغم أنَّ شركة «أنثروبيك» والمسؤول السابق عن ملف الذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض، ديفيد ساكس، صرحا بأنَّ الخطوة تعود لمخاطر محتملة تتعلق باختراق حماية الأنظمة). ومع ذلك، فإذا كان هدف واشنطن من هذه الخطوة هو حماية الصدارة الأميركية في مجال الذكاء الاصطناعي، فقد أحدثت تلك الخطوة أثراً عكسياً.
ويبدو الموقف برمته في غاية الإحراج لشركة «أنثروبيك»؛ وهي الشركة التي طالما صوّرت نفسها على أنَّها مختبر الذكاء الاصطناعي الأكثر تركيزاً على معايير الأمان، والذي يرحب بمزيد من القوانين التنظيمية. والآن، بعد أن وجدت نفسها في مرمى تدخل تنظيمي فوضوي - بذريعة مجابهة المخاطر - تُصر الشركة على أنَّ حواجز الحماية والضوابط التي تفرضها تعتبر كافية. بيد أنَّ الأزمة تتجاوز حدود «أنثروبيك» بكثير.
وفي نهاية المطاف، تملك مختبرات الذكاء الاصطناعي الصينية كلَّ الحق في الترحيب بهذه الخطوة، غير أنَّ تصوير الأمر على أنَّه مجرد انتصار سهل لبكين يغفل الفشل الأكبر والأشمل؛ إذ ينبغي على بقية دول العالم أن تشعر بالقلق والوجل بدلاً من التسلية والابتهاج. لقد أدت نظرة التنافس الضيقة بين الولايات المتحدة والصين إلى تسطيح كل النقاشات الجادة والمحورية حول سلامة الذكاء الاصطناعي، وكانت النتيجة هي استمرار هذه التكنولوجيا في التطور بسرعة تفوق قدرة أي طرف على حوكمتها وضبطها. وفي هذا السباق المحموم، قد لا يكون الخاسر هو واشنطن أو بكين، وإنما الجميع بلا استثناء.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»
