على بُعد نحو ساعة شمال وسط بكين، يُفسح أفق المدينة وأبراجها المجال لسلاسل التلال عند أقدام جبال يانشان. وفي أحضان هذه المساحات الخضراء، تبني الصين مجمعاً علميّاً ضخماً، في إطار سعيها للريادة في الحقبة المقبلة من الاستكشافات والتطوير العلمي.
تُعد مدينة هوايرو للعلوم في جوهرها متنزهاً متألقاً للفيزيائيين، ومقراً لـ«منشأة مستخدمي الشروط القصوى التآزرية: سيكاف». وبأسلوب بسيط يفهمه حتى غير المتخصصين، يضع الباحثون المواد - بما فيها الموصلات الفائقة التي تنقل الكهرباء دون أي مقاومة - تحت ظروف واختبارات قاسية، مثل الضغوط فائقة الارتفاع ودرجات الحرارة شديدة الانخفاض، ولا يقل هدفهم عن اكتشاف حالات جديدة للمادة.
وبجوار هذه المنشأة، يقبع أول مصدر لإشعاع السنكروترون عالي الطاقة في الصين، حيث تتسارع الإلكترونات حول حلقة طولها 1.36 كيلومتر (أقل بقليل من ميل واحد) بسرعة تقارب سرعة الضوء، مما ينتج أحد أكثر حزم الأشعة السينية سطوعاً في العالم. والنتيجة مجهر عملاق يتيح للعلماء التطلع والتدقيق داخل المواد على المستوى الذري.
وتشكل هذه المرافق مجتمعة فردوساً بملايين الدولارات للعلماء وعشَّاق العلوم. وفي وقت سابق من الشهر الماضي، انضممتُ إلى مجموعة صغيرة من الصحافيين الأجانب، في جولة نظمتها وزارة الخارجية الصينية. وتحدث العلماء بحماس بالغ عن عدم حاجتهم بعد الآن للسفر إلى الخارج لاستخدام مثل هذه المعدات، وعن المتعة البسيطة المتمثلة في القدرة على تتبع حرَكات البروتونات. وتتميز المباني الجديدة كلياً بنظافتها الفائقة، وتتزين ممراتها بملصقات للحاصلين على «جائزة نوبل» لشحذ الهمم. وكان التفاؤل بالبحوث العلمية الأساسية، التي تحركها الأسئلة الجوهرية، بدلاً من التطبيقات الفورية، أمراً مُعدياً وملهماً.
ومع ذلك، واصلتُ البحث للتعرف على التطبيقات العملية، غير أن الباحثين لم يروا أي داعٍ للعجلة؛ إذ شددوا على أن هدفهم هو السعي في استكشاف أسئلة جوهرية قد تستغرق سنوات، بل وعقوداً، لحلها. أما الاستخدامات التجارية، فتأتي في مرحلة متأخرة كثيراً، وكما أوضح لي لو، كبير العلماء في المنشأة الأستاذ في معهد الفيزياء التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، فإنَّ البحوث في مجالات، مثل المغناطيس الدائم والعناصر الترابية النادرة التي بدأت قبل 40 عاماً، لا تُطبق في صناعة البطاريات إلا الآن.
ويُذكر أن المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «تكنولوجيا أمبيريكس المعاصرة»، وهي أكبر صانع لبطاريات الليثيوم أيون في العالم، قد تخرج في هذا المعهد عام 2006.
وتُعد مدينة هوايرو واحدة من عشرات المجمعات العلمية التي ترتفع وتزدهر في جميع أنحاء الصين، وهي التجسيد المادي للتحول العالمي الحالي.
وأثناء السير في هذه المعامل، كان من المستحيل عدم التفكير في كيفية تضييق واشنطن الخناق على تمويل البحوث ودعمها، في الوقت نفسه الذي تستثمر فيه بكين في الكفاءات والكوادر، والأدوات، والأهم من ذلك كله الصبر الذي يتطلبه الاستكشاف.
وفي الولايات المتحدة، تُشكل قيود الهجرة جزءاً من المشكلة، ولكن التخفيض والتفريغ المنهجي لتمويل البحوث الأساسية يمثل مشكلة أيضاً؛ إذ أفاد أكثر من 75 في المائة من الباحثين الأميركيين الذين استطلعت آراءهم مجلة «نيتشر»، العام الماضي، بأنهم يفكرون في مغادرة البلاد.
وفي الوقت نفسه، تُظهر بيانات منفصلة من المنفذ العلمي نفسه أن الجامعات الصينية تستحوذ على 9 من بين 10 مؤسسات الأكثر إنتاجاً للبحوث الأكاديمية على مستوى العالم.
وما زالت أميركا تحتفظ ببعض المزايا والتسهيلات التي لا يمكن لإدارة واحدة أن تلغيها بسهولة؛ فحرية التعبير، والصحافة، والاعتقاد، فضلاً عن صورتها التاريخية كبوتقة متكاملة لامتزاج الثقافات، طالما جذبت العلماء الطموحين. كما تظل اللغة الإنجليزية لغة النشر العلمي الأساسية، وليس من الواضح مدى سرعة أو قدرة العلماء الأجانب على إتقان لغة «الماندرين» الصينية. ناهيكم بالصلة والروابط الوثيقة بين المعامل الأميركية، والقطاعات الصناعية، والمستثمرين هناك.
غير أن هذه المزايا بدأت تتراجع وتنفلت، وقد لمستُ ذلك في عدد لا يُحصى من الباحثين الذين يتحدثون الإنجليزية بطلاقة فائقة لأنهم درسوا في الخارج، لكنهم اتخذوا قرار العودة إلى الصين؛ فقد حصل جينغوانغ تشنغ، نائب مدير معهد الفيزياء بالأكاديمية الصينية للعلوم، على الدكتوراه من جامعة تكساس في أوستن تحت إشراف عالم حائز جائزة نوبل. وكان يفكر في شغل وظائف لما بعد الدكتوراه في الولايات المتحدة، لكن عندما علم أن الصين ستبني منشأة «سيكاف»، كان هذا المشروع بمثابة القوة التي جذبت خطواته للعودة إلى وطنه.
وأوضح لو وي، نائب مدير معهد فيزياء الطاقة العالية بالأكاديمية الصينية للعلوم، أن الصين بات بمقدورها الآن تحمُّل تكاليف هذه الأجهزة الضخمة للأشعة السينية، لأن الاقتصاد تغيَّر وتطور بسرعة كبيرة خلال السنوات العشر الماضية.
ولا تقتصر الجاذبية المتولدة عن الاستثمار في العلم على الباحثين العائدين بعد الدكتوراه فحسب؛ إذ انضم عمر ياغي، الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء في العام الماضي، مؤخراً، إلى جامعة تسينغوا، تاركاً منصبه في جامعة كاليفورنيا في بيركلي. وهو جزء من قائمة متزايدة من كبار الباحثين المقيمين في الولايات المتحدة الذين تجذبهم الفرص المتاحة في الصين. كما أن الكفاءات والكوادر العليا تعود أيضاً لتأسيس منشآت وشركات جديدة، حيث قضت الولايات المتحدة الأسابيع الأخيرة في مناقشة كيفية فقدانها ليانغ تشيلين، مؤسس شركة «مونشوت» والعقل المدبر وراء نموذج الذكاء الاصطناعي «كيمي كي 3»، الذي عاد بعد حصوله على الدكتوراه من جامعة كارنيجي ميلون.
ومع تراجع جاذبية الولايات المتحدة وتضاؤلها كمركز للبحوث العلمية، تسعى الصين بشغف لملء هذا الفراغ.
