عبد الرحمن الراشد
إعلاميّ ومثقّف سعوديّ، رئيس التحرير الأسبق لصحيفة «الشّرق الأوسط» ومجلة «المجلة» والمدير العام السابق لقناة العربيّة. خريج إعلام الجامعة الأميركية في واشنطن، ومن ضمن الكتاب الدائمين في الصحيفة.
TT

في ذكرى اجتياح الكويت... مخاطر الغزو قائمة

استمع إلى المقالة

هذه الأيام تُستحضَرُ إلى الأذهانِ أجواءُ أغسطس (آب) 1990، عندمَا اجتاحَ نظامُ صدام حسين الكويت، وأدخلَ الخليجَ في أكبر خطرٍ شهدَه حتَّى ذاك الحين.

هل كانَ ذلكَ الغزوُ مفاجئاً؟ ربَّما من حيثُ توقيتُه، لكنَّه لم يكن مفاجئاً من حيثُ جذوره الفكرية والسياسية. فالعداءُ البعثي للأنظمةِ الملكيةِ الخليجية كانَ حاضراً في أدبيات «حزبِ البعث» وخطابِه السّياسي منذ سنواتٍ طويلة، كما أنَّ النَّزعةَ التوسعيةَ للنّظام العراقي آنذاك كانت قد ظهرت بوضوحٍ في حربه مع إيران، وفي محاولاته فرضَ نفسِه القوةَ المهيمنةَ في الخليج.

ولم يكنِ احتلالُ الكويت، وفقَ كثيرٍ من التَّقديرات آنذاك، سوى بدايةٍ لمشروع أوسع لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة بالقوة. ولهذا لم يكن من قبيلِ المصادفةِ عندما بنت دولُ الخليج مجلسَها قبل غزو الكويت بعشر سنينَ من دون إشراكِ نظام صدام فيه. فقد استشعرتِ الخطرين العراقيَّ والإيرانيَّ معاً، فأنشأت مجلسَ التَّعاون لدول الخليج العربية عام 1981، بوصفه إطاراً للتَّنسيق السياسيّ والأمنيّ والدفاعيّ في منطقة شديدة الاضطراب. ولم يُخفِ صدام حسين انزعاجَه من بناء الخليجيين رابطةً خاصةً بهم، فسعَى لاحقاً إلى إنشاء تكتلٍ عربيّ مضاد تمثَّل في مجلسِ التعاون العربي، لكنَّه لم يعمر طويلاً وانتهَى عملياً مع غزو الكويت.

على الجانب الآخر، لم تكنِ الجمهوريةُ الإسلاميةُ الإيرانية مختلفةً كثيراً في رؤيتها الإقليمية من حيث الطموح، وإنِ اختلفت الآيديولوجيا. فمنذ قيامها عام 1979، تبنَّت خطاباً ثورياً يقوم على تصدير الثورة، ووسَّعت نفوذَها عبر بناء شبكاتٍ من الحلفاء والجماعات المسلحة في عدد من الدول العربية، حتى أصبحَ مشروعُها الإقليميُّ أحدَ أبرز مصادر عدم الاستقرار في الشرق الأوسط خلالَ العقودِ الأربعة الماضية.

لذلك، فإنَّ ذكرى احتلال الكويت هذا العام لا ينبغي أن تكونَ مجردَ للتذكر، بل فرصة للتدبُّر في دروس التاريخ. فما حدث في 1990 أثبت أنَّ انهيارَ دولة الكويت هدَّد فوراً أمنَ الخليج وصار خطراً إقليميّاً ودوليّاً مسَّ الاقتصادَ العالميَّ وأمنَ الطاقة. وما زالت هذه الحقيقةُ قائمةً اليوم، وربَّما أصبحت أكثرَ وضوحاً في ظلّ تعقيدات التَّبدلات الاستراتيجية الحالية.

إيران بقدر ما تبدو عدوانيةً وشريــــرةً وصلت هجماتُها الأردنَّ ومصرَ هي الأخرى. طهران تعيش اليومَ صراعاً للحفاظ على نظامها ونفوذِها الإقليمي في آن واحد، وهو ما يجعلُها أكثرَ ميلاً إلى المجازفة ممَّا كانت عليه في مراحلَ ســـابقة.

لِفهمِ المنطق الإيراني علينا أن ندركَ حساباتِها الداخلية، وهي الأهم لها.

فقبولُها بتسويةٍ تُفسَّر داخلياً على أنَّها هزيمة قد تضعف شرعية النّظام أمام مؤيديه ومعارضيه معاً، لا سيَّما بعد سنواتٍ من الضغوط الاقتصادية، والاحتجاجات الداخلية، وهزائمِها في سوريا ولبنان ومشروعها الإقليمي بشكل عام.

ولهذا، قد تسعى طهرانُ إلى تعويض خسائرها بوسائل أخرى. فبعد هزائمِها ونجاحِ إسرائيلَ في إضعاف قدراتِ «حزب الله» في لبنان، تبدو إيرانُ معنيةً بإعادة ترتيب تموضعها الإقليمي. في رأيي ستركّز إيرانُ بشكل أكبرَ على العراق واليمن، حيث تمتلكُ نفوذاً مباشراً على الميليشيات المسلحة والحوثيين، للضغط وتعويضِ ما فقدته في ساحات أخرى.

وهذا يضع دول الخليج أمام تحدٍ استراتيجيٍّ بالغ الخطورة. فالسيناريو المحتمل هنا قد لا يكون مواجهةً عسكريةً تقليديةً مباشرة، بل العودة إلى نموذج الحروبِ بالوكالة، حيث تديرُ إيرانُ الصراعَ عبر وكلائها، وتفتحُ جبهاتٍ على دول الخليج وليس إسرائيل تحت عناوينَ وشعارات مختلفة.

وفي المقابل، إذا لم تحارب أميركا اليوم إيران، ليس من الحكمة افتراض أنَّ الولايات المتحدة ستعود مستقبلاً لخوض حرب جديدة دفاعاً عن حلفائها، بالطريقة التي فعلتها عام 1991، حتى مع استمرار الشراكات الأمنية.

ومن ثم، فإنَّ الدرسَ الأهمَّ الذي ينبغي استحضارُه في ذكرى أغسطس 1990 هو أنَّ أمنَ الخليج لا يمكن أن يقومَ على افتراضاتٍ أو ضماناتٍ خارجية وحدَها، بل على بناءِ قوة عسكريةٍ ذاتية أكبر وتعزيز التَّكامل الدفاعي، وتطويرِ القاعدة الصناعيةِ والعسكرية، ورفعِ مستوى الجاهزية السياسية والاقتصادية، لمواجهة مرحلةٍ قد تكون أخطرَ وأكثرَ تعقيداً ممَّا عرفناه في العقود الماضية. الخليجُ سيكونُ بعد هذه الحرب وحيداً.