عادل درويش
صحافي معتمد في مجلس العموم البريطاني، وخبرة 55 عاماً في صحف «فليت ستريت». وكمراسل غطى أزمات وحروب الشرق الأوسط وأفريقيا. مؤرخ نشرت له ستة كتب بالإنجليزية، وترجمت للغات أخرى، عن حربي الخليج، و«حروب المياه»؛ أحدثها «الإسكندرية ، وداعاً: 1939-1960».
TT

هل يغامر الزعيم البريطاني بانتخابات مبكرة؟

استمع إلى المقالة

كان المفترضُ أن يرسم مؤتمرُ حزب العمال في ليفربول برنامجَ حكومة أندي بيرنهام للسنوات الثلاث الباقية من عمر البرلمان. لكن الخطاب الذي اختتم به رئيس الوزراء المؤتمر بدا في أجزاء كثيرة منه أقرب إلى برنامج انتخابي لحكومة جديدة.

فباقة البرامج التي وعد بها تُقدم عادة قبل خوض الانتخابات، لا في منتصف الدورة البرلمانية.

وبيرنهام، لا شك، خطيب بارع، يعرف كيف يأسر أسماع الحضور ويمزج السياسة بالعاطفة. وجاء خطابه شخصياً ومؤثراً، خصوصاً عندما تحدث عن والده الراحل وأصول أسرته العمالية في شمال إنجلترا. وقدم قائمةً طويلةً من الوعود: خدمة وطنية للرعاية الاجتماعية على غرار هيئة الصحة الوطنية، وإصلاح نظام المعاشات، وزيادة سيطرة الدولة على بعض المرافق الأساسية، وإصلاح نظام الرعاية الاجتماعية والانتخابات، ثم إعادة النظر في علاقة بريطانيا بالاتحاد الأوروبي.

وكان التصفيق حاراً، ومنحت استطلاعات الرأي الأخيرة بيرنهام و«حزب العمال» أسباباً للتفاؤل.

لكن الكلام «ببلاش»؛ والأيدي تحولت من التصفيق إلى الآلات الحاسبة، وارتجف دافع الضرائب.

فخدمة الرعاية الوطنية التي يعد بها بيرنهام لن تبدأ قبل ثلاثة أعوام، ويقول إنها ستمول بالكامل من دون اقتراض. ومن مصادر التمويل تعديل ضمان الزيادة السنوية في معاشات التقاعد لمواجهة غلاء المعيشة بعد ربيع 2030، ليذهب بعض ما يوفره إلى تمويل خدمة الرعاية الجديدة.

خصوم بيرنهام ينتقدونه لاستهدافه كبار السن، وقال صحافي إنه يسلب بطرس ليمنح بطرس (بدلاً من المثل الإنجليزي: يسلب بطرس ليمنح بولس).

والمتقاعدون، بعكس الناخبين الشباب، يشاركون في الانتخابات بأعداد كبيرة. وهنا تبدأ مفارقة بيرنهام. فهو يؤكد أنه لن يدعو إلى انتخابات عامة قبل موعدها في 2029، مع أن جانباً مهماً من «مشروعه لبريطانيا» لن ينفذ إلا بعد الانتخابات المقبلة.

فلماذا لا يطلب تفويضاً انتخابياً خاصاً به؟

بيرنهام ورث من سلفه كير ستارمر مقر رئاسة الحكومة في داوننغ ستريت وأغلبية برلمانية ضخمة، لكنه ورث أيضاً نواباً انتُخبوا على برنامج ستارمر، وليس برنامجه. والأغلبية الكبيرة سلاح ذو حدين؛ فالكثرة العددية تعني تيارات متعددة، وتاريخياً يصعب على المسؤولين عن الانضباط الحزبي توجيههم في التصويت على القرارات المهمة.

ربما يرحب بيرنهام بفقدان عدد معتبر من نوابه في انتخابات يسرع بها الربيع المقبل، فأغلبية أصغر، تتفق على برنامج بيرنهام، أسهل في الانضباط من الأغلبية الهائلة التي ورثها.

والإغراء الآخر عنصر المفاجأة. فالمحافظون ما زالوا يضمدون جراح هزيمتهم، وحزب «ريفورم» الشعبوي بزعامة نايجل فاراج قد يتقدم في استطلاعات الرأي، لكن تحويل حركة احتجاجية إلى حزب جاهز للحكم أمر آخر. وفي الوقت نفسه يتحرك بيرنهام إلى اليسار لاستعادة ناخبين انتقلوا من العمال إلى حزب الخضر، بينما قد يساعده موقف أكثر قرباً من أوروبا في منافسة الديمقراطيين الأحرار واستعادة أرض خسرها العمال في اسكوتلندا. لذلك قد يقدم على مباغتة خصومه بالانتخابات قبل استعدادهم لها، وقبل أن يتاح للناخب الوقت الكافي لحساب تكلفة وعود خطاب ليفربول. لكن برينهام أدخل بنفسه عاملاً قد يقلب هذه الحسابات: «بريكست».

بيرنهام نفسه حذر في مطلع الصيف من إعادة فتح جدل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لأنه يفتح باب الانقسامات القديمة. أما في ليفربول فقال إن «بريكست» أضر ببريطانيا، واقترح خيارات من تعاون اقتصادي أوثق مع أوروبا إلى ترتيبات أوسع مع السوق الموحدة والاتحاد الجمركي، بل وبحث العلاقة البريطانية الأوروبية على المدى الطويل. لكن «بريكست» قضية تثير الانقسام داخل معظم الأحزاب، ومنها العمال، وحتى وزراء بيرنهام أنفسهم غير متفقين بشأن أوروبا. وهنا وجد نايجل فاراج هديته.

فزعيم «ريفورم» سارع إلى جعل «بريكست» مرة أخرى ساحة مواجهة، وهو يعرف أن المناطق العمالية القديمة في شمال إنجلترا، التي صوّت كثير منها للخروج من الاتحاد الأوروبي، قد تكون ميداناً خصباً له. بل تحدى بيرنهام إلى مناظرة علنية على الهواء حول «بريكست». فما يقدمه بيرنهام حديثاً عن مستقبل بريطانيا الاقتصادي يستطيع فاراج والتيار الشعبوي تقديمه محاولة للعودة إلى أوروبا من الباب الخلفي.

وهذه مخاطرة لرئيس وزراء جعل «الوحدة» شعار خطابه؛ فإعادة «بريكست» إلى قلب السياسة قد توقظ الانقسامات نفسها التي يقول إنه يريد تجاوزها.

وقد يكون بيرنهام صادقاً تماماً عندما يقول إنه لا يريد انتخابات قبل 2029. لكنه، مثل كل رؤساء الحكومات، لا يملك دائماً اختيار المعارك ولا توقيتها. وربما يجد أن الانتخابات المبكرة التي يستبعدها اليوم تصبح غداً أقل خطراً من انتظار خصومه حتى يختاروا هم ميدان المعركة. فقد أخرج عفريت «بريكست» من القمقم، وإعادته أصعب مما يتصور.