مشاري الذايدي
صحافي وكاتب سعودي. عمل في عدة صحف ومجلات سعودية. اشتغل في جريدة المدينة السعودية في عدة أقسام حتى صار عضو هيئة التطوير فيها. ثم انتقل لـ«الشرق الأوسط» من 2003، وتدرَّج بعدة مواقع منها: المشرف على قسم الرأي حتى صار كبير المحررين في السعودية والخليج، وكاتباً منتظماً بها. اختير ضمن أعضاء الحوار الوطني السعودي في مكة المكرمة. وشارك بأوراق عمل في العديد من الندوات العربية. أعدَّ وقدَّم برنامجي «مرايا» وبرنامج «الندوة» في شبكة قنوات «العربية».
TT

صدق أوباما

استمع إلى المقالة

من المرَّات القليلة التي أجدُني متفقاً مع بعض خلاصات الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما وآرائه.

الرئيس الإشكالي الليبرالي شرح في مقابلة مطوّلة نشرتها مجلة «ذا نيويوركر» موقفَه وأبان رأيَه في أمورٍ كثيرةٍ تتعلَّق بالسياسة الأميركية الحالية بعهد خصمه، الرئيس الإشكالي هو الآخر دونالد ترمب.

في الحوار اعترف أوباما بأنّه قلّل من شأن ترمب وقدرته على التغيير والتأثير العميق في المؤسسات الأميركية، وهذا الاعتراف المتأخر يحتاج بعض المعلقين السياسيين العرب إلى الاقتداء به، فقد كانوا من أكبر المستخفّين بترمب في ولايته الأولى ثم بعدما خرج منها على حِراب الديمقراطيين الذين سخّروا مؤسسات الدولة للانتقام من الرجل (وزارة العدل، «إف بي آي»، وغيرهما) فبادلهم ترمب الفعل بمثله:

وكنتُ إذا قومٌ غزوني غزوتهم فهل أنا فِي ذا يَالَ همدانَ ظالمُ؟!

كما قال شاعرنا القديم عمرو بن براقة.

الذي أصاب فيه أوباما في هذا المقابلة - حسب رأيي - هو: «أسفه لتراجع مشاعر الحياء العام واحترام المنصب السياسي واللياقة في الخطاب العام».

لقد أدلى الديمقراطيون والجمهوريون على السواء في أميركا بدلوهم ليمتحوا من ماءٍ أسودَ ثقيلٍ مُنتن، لم يوفّر أحدٌ أحداً.

المشكلة أنَّ هذا السلوك صار شِيمةً عالميةً في كثير من الفضاءات السياسية في الدنيا، وما يرتبط بكل قطب سياسي من شبكات تأثير ونقل الرسائل التي تغرف من هذه المياه غير النقيّة.

صار التهريج والإكثار من لغو القول وفاحش الكلام سِمةً تسمُ سلوك المختلفين سياسياً، مهما صغر أمر الخلاف.

أجِلْ بصرَك في الميديا والسوشيال ميديا، ثم أعِدْ البصرَ كَرّة أخرى، يرجع إليك قلبك وهو حسير أسيف.

تفاخرٌ بالتفاحش، وتنابزٌ بالألقاب، واستباحة للكذب، واستساغة لمهجور الكلام، رغم أن رسائل الدين وقِيم الأخلاق تأبى ذلك، بل المفارقة المضحكة المُبكية، أن تجد من يحترف لغوَ القول، يعظُ الناسَ في حميد الأخلاق ونظافة الكلام؟!

نعم صدق الرئيس أوباما، لقد صار مشهد العالم اليوم - والسوشيال ميديا من مسارحه الكُبرى - مشهداً يؤذي العينَ ويخدش الأذن ويوجع القلب.

ليست الغضاضةُ في وجود الاختلاف، فمُذ خُلقَ الناسُ وهم يختلفون، وليست المشكلةُ في وجود الهجّائين الفحّشاين، لكن في «تطبيع» هذا الحال، بل وطلبه والاستزادة منه وإكثار بذره وغرسه.

رحم الله الشاعر العظيم أبا تمّام حين قال:

يعيشُ المَرءُ ما اِستَحيا بخيرٍ ويبقى العودُ ما بَقِيَ اللِحاءُ

فلا واللهِ ما في العَيشِ خيرٌ ولا الدنيا إِذا ذهبَ الحَياءُ!