في المحاولات الدائبة لنقد عالم وسائط «التواصل الاجتماعي»، تبرز طريقة رائجة عادةً ما تبدأ بتعداد مثالب تلك الوسائط، كما لو أنها قائمة أخطاء تقنية يمكن حصرها ومعالجتها واحدة تلو الأخرى، بينما الخطر الأعمق يظل كامنا في البنية الذهنية التي تعيد هذه الوسائط تشكيلها بصمت ودأب، حتى تتسرب من الشاشات إلى الواقع، وتعيد صياغته وفق منطقها الخاص لا وفق منطقه الأصلي.
ونحن هنا لا نتحدث عن الإدمان أو التضليل أو خطاب الكراهية، بل عن شيء أكثر خفاءً وأشد أثراً؛ وسنُسميه «التأطير السوشيالي» للواقع؛ أيْ انتقال قواعد اللعبة الرقمية إلى فضاء الحياة اليومية، بحيث يغدو ما كان استثناء افتراضياً قاعدة حاكمة للسلوك والتفكير واتخاذ القرار.
في هذا التأطير لا يعود الإنسان يفكر بوصفه فاعلاً حرّاً في سياق مُعقد، بل بوصفه حساباً إلكترونياً يسعى إلى تعظيم التفاعل، ويقيس قيمة أفكاره بمدى قابليتها للانتشار، لا بقدرتها على التفسير أو الإقناع. فتتبدل معايير الحكم من الدقة إلى الجاذبية، ومن العمق إلى السرعة، ومن الاتساق إلى الإثارة. وهكذا تنشأ بنية ذهنية تختزل العالم في لقطات قصيرة، وتُعيد ترتيب الأولويات بحيث يتقدم ما يثير الانتباه على ما يستحق الفهم، ويسبق ما يحظى بالانتشار نظيره الذي يحقق المعرفة.
ثمة خلل يسري هنا في صمت، وهو خلل لا يُرى بالعين المجردة، ولا يُحسّ في لحظة واحدة، بل يتراكم كالترسبات في قاع النهر حتى يُغيّر مجراه. هذا الخلل يمكن رصده في عقول الناس، التي باتت تفكر وتتحدث وتقرر وفق ديناميات وُلدت في رحم خوارزميات «التواصل الاجتماعي»، ثم خرجت من الشاشة لتسكن الواقع.
فالطريقة التي يُعالج بها العقل البشري المعلومات والمواقف والعلاقات على منصات التواصل لا تظل حبيسة تلك المنصات، بل تنتقل عدواها إلى الحياة خارجها. إذ يتشكل الإنسان وفق سياقه، ومن يقضي ساعات طويلة يومياً في بيئة تُكافئ الحدة وتُعاقب التعقيد، وتُعلي من شأن الاختزال، وتُهمّش التأمل، يخرج منها حاملاً نمطها في تفكيره ولو لم يدرك.
والمسألة لا تتعلق بالعامة وحدهم، وهنا مكمن الخطورة الحقيقية. فالشاشة لا تفرّق بين مُفكر وعامل، ولا بين وزير وخفير، ما داموا جميعاً يسبحون في البحر ذاته. وحين يتحوّل خطاب السياسيين إلى تغريدات وجيزة مُفعمة بالصدام بدلاً من وثائق سياسية مُحكمة، وحين يستعيض الكُتّاب والمثقفون عن العمق بالاستعراض، وحين يُؤطّر التكنوقراط مشكلات بالغة التركيب في صور قابلة للتداول، فإن المجال العام يكون قد خسر شيئاً لا يعوّضه أي كمّ من الإنتاج الرقمي المتدفق.
الفيلسوف الإعلامي نيل بوستمان أسّس، في كتابه «التسلية حتى الموت»، لهذا الوعي، حين أثبت أن وسيلة الاتصال لا تنقل المضمون فحسب، بل تُعيد تشكيل طبيعة التفكير ذاته، ومعها طبيعة الخطاب العام. فالمنصات الرقمية المعاصرة، بنيةً وآليةً، صُممت لإثارة الاستجابات العاطفية الآنيّة لا للتهيؤ للحوار الرصين، كما أن الانغماس الطويل فيها يُعزز الميل إلى ردود الفعل الانفعالية ويُقلص القدرة على التسامح مع الغموض والتعقيد.
والأثر لا يقتصر على الأفراد، بل يسري في بنية الخطاب المؤسسي. فعندما يصير الأسلوب «السوشيالي» هو المرجع المُضمر في صياغة الرسائل وبناء الحجج وإدارة الخلافات، يتحول الاجتماع الإنساني إلى ما يشبه نقاشات مباشرة مفتوحة، ويصير المعيار الضمني لنجاح الفكرة ليس رصانتها بل قابليتها للانتشار. والمفكر إيلي باريزر نبّه، في مفهومه عن «فقاعة الفلتر»، إلى آلية مشابهة: فحين يتعوّد العقل على بيئة تعكس له ما يريد سماعه وتحجب ما يُزعجه، يكتسب ميلاً موازياً في الواقع نحو رفض ما يتحدى قناعاته بدلاً من مساءلته.
والمفارقة الصارخة أن هذا التأطير يُنتج ذوقاً جمعياً يطغى على أعلى المستويات بزخمه لا بحجته. فالحدّة تبدو إخلاصاً، والاختزال يُوهم بالوضوح، والتصادم يُقرأ شجاعةً، والاستعراض يُحسب بلاغة. وهكذا، يتآكل الحيّز الذي كان يشغله الاقتراب الرصين الصبور في كل خطاب عام؛ ليس لأن أحداً قرر استئصاله، بل لأن التربة التي كانت تُنبته تغيّرت تغيّراً صامتاً وجذرياً.
والخروج من هذه الدوامة يقتضي أولاً الاعتراف بوجودها، ثم استعادة القدرة على التفاوض المُثابر والتحمّل المتبادل، أي تلك الكفاءات الإنسانية التي تولد من التجربة المباشرة لا من التمرير السريع. وهو تحدٍّ لا يواجهه الجمهور العادي فحسب، بل يواجهه كل من أمسك بمنبر تأثير في هذا الزمن المُتغير، حيث لا يكفي أن تعرف ما تقول، بل بات لازماً أن تحارب كل يوم الطريقة التي علّمتك المنصات كيف تقوله.
