فهد سليمان الشقيران
كاتب وباحث سعودي. ألف عدداً من الكتب خصوصاً في مجال الفلسفة، بينها "الفلسفة الحرام" و"نقد خطاب السعادة".
TT

التجارب البشريّة وضرورة الوعي الاجتماعي

استمع إلى المقالة

لم تكن الحروبُ أساسيةً في يوم من الأيام عبر التاريخ البشري؛ ولكن، ثمةَ حكماء يديرون الأزمات ضمن سياساتٍ وأهداف ضرورية لها أفق معيّن. أما الحربُ من أجل الحرب فهي مجردُ استنزافٍ مادي وإرهاقٍ إنساني. للحروب تداعياتٌ خطيرة، وفي بعض الأحيان تترتب عليها نتائجُ إيجابية على المدى البعيد.

مثلاً؛ لنتذكر أنَّ بناءَ القوانين الأممية، وقوانين الأسْر، وتعريفَ حدود الحرب، والتفريقَ بين الحرب المشروعة والحرب الجائرة... كلها جاءت بعد تجارب البشرية الدموية الطاحنة. وعلى سبيل المثال أيضاً؛ نقطةُ التحولِ الدولي نحو التعاضدِ من أجل تقليلِ أسباب الحرب وتغليبِ نظريات التفاوض والتفاهمِ على الصراع... جاءت بعد «اتفاقية ويستفاليا».

هنري كيسنجر‏، وزير خارجية الولايات المتحدة مستشار الأمن القومي الأميركي الراحل، يصف تلك الحقبة: «في ممارسته المبكرة، عَكَفَ (سلامُ ويستفاليا) على اعتمادِ (عالَمٍ هوبزيٍّ)؛ (نسبةً إلى الفيلسوف توماس هوبز). كيف أمكنت معايرة توازن القوة الجديد هذا؟ لا بد من التمييز بين توازن القوة بوصفه واقعاً، وتوازن القوة بوصفه نظاماً. يتعين على أي نظام دولي - ليكون جديراً بالاسم - أن يصل، عاجلاً أم آجلاً، إلى التعادل، وإلا فسيبقى في حالة حرب متمادية». يضيف كسينجر: «الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز في كتابه (اللفياثان Leviathan) المنشور في عام 1651 وبعد (سلام ويستفاليا) بثلاث سنوات وفّر مثل هذه النظرية». تصور «حالة طبيعية؟».

نعم؛ في الماضي كان غياب السلطة عن الإنسان القديم يتمخض عنه نوعٌ من «حرب الجميع ضد الجميع». وهروباً من مثل هذا الانعدام الأمني الذي لا يُطاق، بادر الناس، وفق تنظير الفيلسوف توماس هوبز، إلى «التنازل والتفويض إلى القوّة السياسية مقابل توفير الأخيرة الأمنَ لجميع من هم داخل حدود الدولة. واحتكارُ الدولةِ السياديةِ السلطةَ رُسّخ بوصفه الأسلوب الوحيد للتغلب على الخوف الأبدي من الموت العنيف والحرب». وهذا هو أهم «ابتكارٍ مفهوميٍّ» في الفلسفة السياسية: أن يثق المجتمع بساسته وقادته، وأن يتبع تعليمات المؤسسات الحكوميّة بعيداً عن الإرجاف السُّوشيالي والتحريض الآيديولوجي والمنظومات الحزبية المارقة.

لقد كان توماس هوبز يرى أنَّ الانتقال نحو الدولة يتطلب الحرب على «حالة الطبيعة»؛ بغية تفادي أن يكون الإنسان ذئباً على أخيه الإنسان، وهو قد أخذ العبرة من الحرب الأهلية الإنجليزية التي عايشها يوماً بيوم وأثرت عليه وعلى نظريته في «العقد الاجتماعي» وفي فلسفته بشأن الدولة.

ثمة فرق بين الحروب المضبوطة بقواعد اشتباك سياسية بحتة، وهذه يقودها الحكماء؛ كما في حرب تحرير الكويت، حيث كانت حرباً ضرورية تحاشتِ المدنيين، ولم تستهدف المؤسسات الخدمية والحيوية للشعب العراقي، وأُوقفت هذه الحرب فور تحقيق الأهداف... وبين تلك الكارثية التي تنشب على أسس «عقائدية» أو «عرقية» أو لأسباب تاريخية وجغرافية.

الخلاصة: الحروب لها تاريخها المشابه لبناء الدول، والصراعاتُ السياسية والحربية والثقافية جزءٌ من التزاحم الأممي الذي على أساسه تشكّل التاريخ، كما في سردٍ مهم للكاتب كريس ماكناب في كتابه «مختصر تاريخ الحروب». وعلينا أن نتذكر أن التفاوضَ بإرادة تحقيق السلام جزءٌ من سياسة الحرب وإدارتها بحكمةٍ وصبر على النحو الذي تقوده دول الحكمة في الإقليم. ولكن مع ذلك، لا يمكن تصوّر تطوّر تاريخي من دون ضرباتٍ محدودةٍ يمكن تجاوزها، وعلينا ألّا ننصت إلى أصوات الإرجاف الآيديولوجي العام، ولا للفيديوهات المفبركة التي تحاول تخويف الناس وإثارة الهلع. العبرة بالتفويض الاجتماعي والثقةِ بالقرار والتوجهِ السياسي المطلق الذي يقود الإقليم نحو برّ الأمان.