من أراد أن يفهم جيداً السياسات الخارجية الأميركية المتعاقبة فليقرأ كتاب الجنرال الراحل كولن باول، «لقد نجح الأمر معي: في الحياة والقيادة» (It Worked for Me) الصادر عام 2012، ويروي فيه وزير الخارجية الأميركي الأسبق سيرة حياته، مقدماً دروساً عميقة في القيادة، والإدارة، وتجاوز العقبات.
يتناول الكتاب مبادئه الـ 13 للنجاح، ونشأته، ومسيرته المهنية، مع التركيز على الصدق، والإيجابية، ومواجهة المصاعب؛ وعن فكره الاستراتيجي يكتب باول كيف خاطبه الرئيس السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشوف عام 1988 بقوله: «عليك أن تبحث أيها الجنرال عن عدو جديد، فقد قررت إنهاء الحرب الباردة»، ويصف باول كيف بقي هذا الكلام عالقاً في ذهنه لأنه لم يكن من السهولة بمكان أن يرى بين عشية وضحاها العدو الذي أعدت له القوة والعتاد لمحاربته يختفي، فالوضع الجديد وإن كان انتصاراً لأميركا وللمعسكر الليبرالي فإنه يبعث على التساؤل عن مدى جدوى نظام عسكري واستراتيجي وأمني وسياسي جهز ونظم لعقود... فرضية بسيطة أتى بها بعض المتمرسين في مجال الاستراتيجية الأميركية مفادها أن المطلوب هو تغيير بسيط في أساليب العمل، شريطة البقاء في خطط التسلح ذاتها، لأن «العالم الحر ما زال عليه مواجهة إمبراطورية الشر»، ولكن باول بنظرتيه العسكرية والمدنية كان يرى أنه لا بد من تغيير شامل في المؤسسة العسكرية الأميركية لتكون أكثر مردودية وأكثر ردعاً وأكثر تطوراً في المجال التكنولوجي لتستطيع التدخل في أماكن عدة في العالم.
ومن بين الكلمات المعبرة تلك التي أدلت بها وزيرة الخارجية الراحلة مادلين أولبرايت في حقه عندما توفي: «إنه يتمتع بالصدق والكرامة والولاء والالتزام الراسخ تجاه وظيفته والوفاء بكلمته»، مضيفة مازحة عن كولن باول الذي خلفها في حقيبة الخارجية: «كان الجيش يحبه، ويحترمه خصومه، وفي وزارة الخارجية كان أكثر شعبية بكثير من سلفه» في إشارة إلى ذاتها.
ينتمي كولن باول إلى المدرسة المعتدلة، لكن مسيرته الدبلوماسية ساءت عندما تصدر جهود الترويج لحرب العراق عند توليه وزارة الخارجية؛ كما أنه ساهم في إحداث بون بين الشرعية الدولية القائمة على الحفاظ على النظام العالمي والنظرة الاستراتيجية شبه القانونية التي لا تقوم على نظارات قانونية فلسفية صرفة.
نتذكر جميعاً أنه عندما أرادت حكومة جورج بوش الابن التدخل في العراق سنة 2003، رفضت جل الدول الغربية ذلك باسم الشرعية القانونية والدولية وباسم الفلسفة التي يجب أن تصطف فيها الدول في هجوم عسكري ذي أبعاد مجهولة على دولة ذات سيادة. ديك تشيني، دونالد رامسفيلد وكولن باول، كانوا جميعاً يقومون برحلات مكوكية إلى العواصم الأوروبية لإقناع رؤسائها ولكن من دون جدوى، ونتذكر الخطاب الشهير لكولن باول في قبة الأمم المتحدة وهو يحمل قنينة صغيرة يقول فيها للعالم بأسره لو أنه قام بتفجير هاته القنينة لتبخرت مساحات من الأرض في رمشة عين، وهو ما يستطيع صدام حسين فعله لتوفره على أسلحة الدمار الشامل، وهو ما أنكره عليه وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دوفيلبين في الاجتماع نفسه لعدم وجود أي حجة، ورفضت بلاده تدخلاً عسكرياً خارج المادة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة، التي تجيز استعمال القوة العسكرية الدولية في حال الهجوم على حدود دولة ذات سيادة من غير حق، أو كونها تشكل خطراً على المنظومة الدولية من خلال امتلاكها مثلاً لأسلحة الدمار الشامل.
هذا البون الشاسع بين الاتجاه الفقهي القانوني الفلسفي الصرف – والاتجاه الاستراتيجي، أو بعبارة أخرى بين الحفاظ على الشرعية القانونية الدولية والقضاء على نظام صدام وأهله، مزق في تلك الفترة أبجديات التفاهم حول محددات النظام العالمي الذي قادته وتقوده الولايات المتحدة إلى درجة أن المسؤولين الأميركيين وصفوا أوروبا الغربية بالقارة العجوز خلافاً لدول أوروبا الشرقية التي كانت مؤيدة للتدخل العسكري. وتشيني من خلال كلامه هذا كان يعني مما يعنيه خطأ غلبة الخزعبلات القانونية والفلسفية الفرنسية والغربية على أولويات المرحلة في العلاقات الدولية التي تفرض الحركية والواقعية الاستراتيجية اللاقانونية بغطاء شبه قانوني وشبه مرضٍ. فوقع التدخل العسكري الأميركي-البريطاني رغماً عن الرفض الفرنسي-الغربي والمثبطات القانونية المتنوعة في الأمم المتحدة، والبقية معروفة.
وكولن باول لا يتحمل المسؤولية لوحده، فأساتذة الفن الاستراتيجي المؤهلون، في عهد الرئيس بوش (الابن)، كانوا هم «المحافظين الجدد»، وما زالت سياستهم الخارجية في تلك الفترة وتدخلهم العسكري من دون «نظارات استراتيجية» دقيقة، تلقي بفاتورتها الثقيلة على البيت الأبيض، والسياسة الخارجية الأميركية، وعلى مستقبل الأمن القومي؛ وهذا هو الجانب الخفي في بعض التقارير الأميركية، وهذا يحيلنا هنا إلى قيمة دور المستشارين في صياغة الاستراتيجية؛ والسياسة الأميركية مليئة بالدروس في هذا الجانب.
