فهد سليمان الشقيران
كاتب وباحث سعودي. ألف عدداً من الكتب خصوصاً في مجال الفلسفة، بينها "الفلسفة الحرام" و"نقد خطاب السعادة".
TT

الحالة العربية وأولوية التنمية

استمع إلى المقالة

مع هذه الحرب القائمة الآن، والتضامن الخليجي والعالمي، لا بد من دراسة الأفكار التي أحاطت بالإقليم لفترةٍ طويلة. لقد مرّ قرنٌ من الزمان على هذه المنطقة كان الصراع الدائر فيها يقوم على اضطراب في ترتيب الأولويات.

لقد كانت التيارات الشمولية كـ«الإخوانية»، وليس انتهاءً بالأمشاج الثورية التي تخلّقت حديثاً، كانت تجعل الأوطان بمنزلةٍ ثانوية، وآيةُ ذلك جردة سريعة للخطابات التي تستمر لساعات أمام الجماهير المجموعة رغماً عنها كما في خطابات القذافي. يتناسى الخطاب الشمولي القديم مشاريع الداخل، وأولوية التراب الذي نعيش عليه، والإنسان الذي يحرث فيه، وهذا ما جعل الازدهار والنموّ يبلغ أشُدّه بعد عقودٍ من التنمية الصعبة بسبب الحرائق التي تحيط بحديقة الخليج الغضّة النضرة، وآيةُ ذلك أن «رؤية 2030» أثّرت بشكل إيجابي كبير على دول الإقليم باتجاه التنمية.

من المؤلم أن قادة كثراً حاولوا إطفاء الحرائق، ولكن ثمة من يفسدها، ثمة مبادراتٌ حيويّة للسلام على مستويين؛ أولهما: السلام السياسي في المنطقة وتحجيم مستوى الضريبة السياسية التي تنعكس بالضرورة على الدول والمجتمعات. وثانيهما: السلام الثقافي من خلال القمم بين الأديان.

إن الأحداث الدامية التي تجري، اليوم، نتيجةُ حمولة تاريخية من الإرث المتكدّس؛ وهو مزيج من الإرث الفكري والاجتماعي والسياسي والتنافي التاريخي، ولذلك جاءت المواجهات عنيفة ومحبطة لأنها ستثبّط من التنمية التي ترعاها الدول الصاعدة الرائدة في المنطقة، بل إن هذه الأحداث الدموية تضع الكفّة، لسنواتٍ مقبلة، لصالح مشاريع غير تنموية ربما تبطّئ من مفاعيل التنمية الطموحة، لكن هل نيأس؟! بالتأكيد لا مجال لليأس.

هذا الحدث الحاليّ، بالتأكيد، مهما طال فإن له نهاية، ولكن الكارثة في الآثار التي سيجرّها على المنطقة، ثمة انتعاش غير مفاجئ للجيوب الحركية المتطرفة.

نعم؛ هناك مِن الخطباء، الآن، مَن يشجّع على إحياء النفَس الفوضوي الذي فشل قبل عقدٍ ونيّف من الزمان، مؤكداً أن الضريبة ستكون قاسيةً لأطراف النزاع هناك، ولكن الدرس المستفاد للعرب أن يعيدوا ترتيب الأولويات، إنها لجريمة كبيرة أن تكون الأوطان بمنزلةٍ تاليةٍ على مصالح الأحزاب الآيديولوجية، «الإخواني» منها أو القوميّ أو اليساري الثوريّ، والنتيجة ما نتابعه، الآن، من انهيارات اقتصادية وأمنية وسياسية في أكثر من بلدٍ عربي قدّم الآيديولوجيا على التنمية، والأيام حُبلى بالدروس من هذه الأحداث المتكررة من دون تبصّر فيها أو تأمل.

الخلاصة أن أفكار التنمية التي تقودها دول الخليج التنموية الصاعدة لن تهزمها الآيديولوجيات الشمولية، لقد آمنت هذه الدول بأن التنمية هي الأساس، وأن الإنسان هو العمود الفقري للنظام الاجتماعي. إن التضامن الأخوي السائد يحيي الكثير من الآمال الطامحة التي تحقَّق جُلّها وسوف يتحقق كلها وما بعدها، وإنما ثمة مَن يحسد هذه المنطقة على التطوّر اليومي الذي لا يستطيعون مجاراته أو الوصول إليه. إن الفكرة هي التي تصنع المشروع المفيد. المرحلة الحاليّة، بالتأكيد، ليست سهلة ولكنها ضرورية لتبويب أولويات جميع الدول العربية؛ بغية الخروج من الآيديولوجيات والأفكار الشمولية؛ بغية التوجه نحو الأفكار التنموية الحيّة والتواضع والاقتداء بدول الخليج التي صنعت نماذج ناجحة على كل المستويات بشكلٍ لم يصل إليه أي بلدٍ آخر في الإقليم.